فالرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا، ومستراح العابدين. وأهل الرضا تارة يلاحظون المُبتلى وخيرته لعبده في البلاء، وأنه غير متهم في قضائه، وتارة يلاحظون عظمته وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعروا بالألم
أصبح أعرابي وقد ماتت له أباعر كثيرة فقال:
لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن
ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئًا قضاه الله لم يكن
ـ قال بعض الحكماء: إن لله عبادًا يستقبلون المصائب بالبشر قال: فقال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم.
قال وهب بن منبه: وجدت في زبور داود يقول الله تعالى:
"يا داود هل تدرى من أسرع الناس ممرًا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي، وألسنتهم رطبة من ذكري"
وها هي أعرابية اسمها أم غسان كما في"عيون الأخبار:"
فقدت جميع أبنائها وفوق ذلك كف بصرها، مصيبة وأي مصيبة؟ كانت تعيش بمغزلها وتقول:
لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي واحدًا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
الحمد لله على ما قضى، رضيت من الله ما رضي لي، وأستعين بالله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء.
ويقول أحد المعزين في لطائف التعازي لقاضٍ من قضاة بلخ توفيت أمه قال له:
إن كانت وفاتها عظة لك فأعظم الله أجرك على موتها، وإن لم تكن لك عظة فأعظم الله أجرك على موت قلبك، ثم قال: أيها القاضي: أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سنة ولم يرد عليك أحدٌ حكمًا، فكيف بحكم واحد عليك من الواحد الأحد ترده ولا ترضى به؟ فسري عنه وكشف ما به وقال: تعزيت تعزيت.
ـ وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم:"وتحتسب"لما في الاحتساب من فضل.
فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة""
ـ صفية: هو الحبيب المصافي كالولد والأخ، وكل من أحبه الإنسان، وقيل الصفي: هو من يصطفيه الإنسان ويختاره من ولد وأخ أو عم أو أب أو أم أو صديق. فكل من يصطفيه الإنسان ويختاره ويري أنه ذو صلة منه قوية فهو الصفي.
ـ يحتسبه: أي يدخره عند الله تعالى، وذلك ينبئ عن الصبر والتسليم
والمراد باحتسبه: أي صبر على فقده، راجيًا الأجر من الله على ذلك. (فتح الباري:11/ 242)
ـ فلما كانت المصائب على اختلاف أنواعها من موت وغيره من نوائب الزمان ـ خطبًا مؤلمًا موجعًا وأمرًا مهولًا مزعجًا كان جزاء المحتسب الصابر عليها الجنة فيا لها من بشارة.
وفي صحيح الجامع: والذي نفسي بيده إن السقط [1] ليجرُّ أمه بسرره [2] إلي الجنة إذا احتسبته""
(1) السقط: هو الذي يموت قبل اكتمال نموه.
(2) السرر: هو ما تقطعه القابلة (أي الحبل السري) .