وفي صحيح الجامع أيضًا:"بخٍ بخٍ [1] لخمس ما أثقلهُنَّ في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح، يُتوفَّي للمرء المسلم فيحتسِبَهُ"
فيا من فقدت أحبابك أصبر واحتسب حتى لا يفوتك هذا الأجر وتصبح المصيبة مصيبتان، فقد الأحبة وضياع الأجر.
ـ وروى ابن أبي حاتم بسنده عن خالد بن يزيد عن عياض عن عقبة، أنه مات له ابن يقال له يحيى، فلما نزل بقبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه، فقال والده: وما يمنعني أن أحتسبه وقد كان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات؟
فلله ما أحسن فهمهم، ولله ما أحسن تعزيتهم لأنفسهم. وثقتهم بما أعطى الله ـ عز وجل ـ من ثواب للصابرين المحتسبين
وجاء في سير أعلام النبلاء للذهبي - رحمه الله:
أن عمرو رضي الله عنه خطب في الناس يوم وقع الطاعون بأرض الشام فقال:
إن هذا الطاعون رجز ففروا منه بالأودية والشعاب.
فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه فغضب وجاء يجر ثوبه ونعلاه في يده قائلا: لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسمعوا، الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم، يستشهد الله به أنفسكم ويزكي أعمالكم
فبلغ ذلك معاذًا رضي الله عنه وهو يتوق للشهادة فقال: اللهم اجعل نصيب أهل بيت معاذ الأوفر منه.
لأنه يعلم أن من أصيب به له مثل أجر الشهيد، فتصاب ابنتاه الاثنتان وتموتان، فدفنهما بقبرٍ واحد وحمد الله واسترجع، ثم أصيب ابنه عبد الرحمن وهو من أعز أبنائه.
فقال معاذًا لابنه: كيف تجدك؟
قال: أبتاه، الحق من ربك فلا تكن من الممترين.
فقال معاذ رضي الله عنه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
ثم توفي رحمه الله، ثم أصاب الطاعون كف معاذ ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ فجعل يقبلها ويقول:
لهي أحب إلى من حمر النعم، ثم يغشي عليه، فإذا أسري عنه قال: يا رب غم غمك واخنق خنقك فوعزتك إنك لتعلم أني لأحبك.
ثم لقي الله عز وجل بعد أن احتسب أهل بيته جميعًا فما كان إلا الرضا والتسليم بقضائه وقدره.
وصدق القائل حيث قال:
أقول وقد فاضت دموعي غزيرة ... أري الأرض تبقي والأخلاء تذهب
أخلائي لو غير الممات أصابكم ... جزعت ولكن ما على الموت معتب
وقالوا قديمًا: الحيلة فيما لا حيلة فيه الصبر.
(1) بخٍ بخٍ: كلمة تُقال عند الرضا بالشيء، وهي مبنية علي الكسر والتنوين وتخفف في الأكثر.