قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" (مسلم)
وعن ابن الديلمي ـ رحمه الله ـ قال: أتيت أُبي بن كعبٍ فقلت له: وقع في نفس شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يُذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحد ذهبًا في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليُصيبك، ولو مُت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حُذيفة بن اليمان، فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك (أحمد بسند صحيح وهو في صحيح الجامع:5244)
فالله عز وجل خلق الخير وقدره وأراده كونًا وشرعًا وخلق الشر وقدره وأراده كونًا وقدرًا لا دينًا وشرعًا لحكمة يعلمها هو؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال:"والشر ليس إليك" (مسلم)
وكم من الحكم الظاهرة والخفية من تقدير الله عز وجل للشر الذي هو في معرفتنا القاصرة شر، لكنه بحكمة وليس شر محض. فكل شر يُصيب الإنسان المسلم هو خير له إن كان راضيًا به ومؤمنًا أنه من عند الله مُقدرًا لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"ألا أحدثكم بحديث لا يحدثكم به أحد غيري؟ قالوا: بلي. قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسًا فضحك ثم قال أتدرون لم ضحكت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: عجبت للمؤمن، إن الله عز وجللا يقضي قضاء إلا كان خيرًا له"... (صحيح الجامع:3985)
فعلى المؤمن أن يُسلم بقضاء الله وقدره، لأن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أن تستريح النفس ويطمئن البال ويسعد الفؤاد ويأنس الإنسان بربه ولا يخشي أحدًا إلا الله لا الجن ولا الإنس ويطعم حقيقة الإيمان.
فعن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت
فقلت: يا أبتاه أوصي واجتهد لي، فقال: أجلسوني، قال: يا بني، إنك لن تطعم طعم الإيمان ولم تبلغ حقيقة العلم بالله ـ تبارك وتعالى ـ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: قلت يا أبتاه: فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليُخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أول ما خلق الله ـ تبارك وتعالى ـ القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة"يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار. (أحمد وأبو داود)
فيا أيها المصاب بفقد الأحباب ....
اعلم أن كل مصيبة تأتي فهي بإذن الله، ووفق قدر معلوم وقضاء مرسوم وحكمة أزلية، وكن علي يقين أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فوطِّن نفسك على هذا.
ما قد قُضي يا نفس فاصطبرى له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر
ثم اعلمي أن المقدر كائن ... حتمًا عليك صبرت أم لم تصبري