الصفحة 11 من 27

قال ابن المنير - رحمه الله - كما نقل ذلك الحافظ في الفتح:

إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه تعليلًا للنفس، وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأنس، ومكابرة للحس كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية فجائتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا، وكأنهم من الملائكة أو من مؤمني الجن. أهـ

قال ابن القيم- رحمه الله-: كل أحدٍ لابد أن يصبر على بعض ما يكره: إما اختيارًا وإما اضطرارًا، فالكريم يصبر اختيارًا لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يُحمد عليه ويذم على الجزع، وأنه إن لم يصبر لم يرد عليه الجزع فائتًا ولم ينتزع عنه مكروهًا، وإن المقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره.

ويعلم المصاب كذلك أن ما يعقبه الصبر والاحتساب، من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، وفي الترمذي مرفوعًا:"يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء."

وعند الترمذي:"يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطي أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض"... (صحيح الجامع:8177)

فالجزع وإن بلغ غايته ونهايته فآخر أمره إلى صبر الأضطرار وهو غير محمود ولا مثاب عليه، فإنه استسلم للقدر رغم أنفه والصبر والاحتساب عواقبه محمودة ومثاب عليه في الدنيا والآخرة

فهيا لنتعرف على فضل وثواب الصبر من كتاب ربنا وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم ومن آثار سلفنا

ـ رضي الله عنهم ـ وألحقنا بهم في عليين آمين يا رب العالمين.

ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه عدة الصابرين في فضل الصبر على البلوى:

إن الله سبحانه جعل الصبر جوادًا لا يكبو وصارمًا لا ينبو وجندًا غالبًا لا يهزم، وحصنا حصينًا لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وقد مدح الله في كتابه الصابرين

ـ وأخبر أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10)

ـ وجعل الصابرين يفوزون بمعيته ـ سبحانه وتعالى ـ وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز، وفتحه المبين، فقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 46)

فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة.

ـ وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين

فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}

(السجدة: 24)

ـ وأخبر تعالى أن الصبر خير لأهله مؤكدًا باليمين: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} (النحل: 126)

ـ وجعل الصبر والتقوى جُنة من كيد العدو، وأخبر أنه مع الصبر والتقوى لا يضر معه كيد العدو

ولو كان ذا تسليط، فقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران: 120)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت