فهذان الأصلان العظيمان (الإخلاص والمتابعة) هما ركنا قبول العمل، فباجتماعهما يقع مسمى العمل الحسن، وبتخلف أحدهما يقع مقابله، فلا حسن إلا بهما ولا قبح إلا بتخلف أحدهما فضلا عن تخلفهما معا، فذلك عنوان الشقاوة وبريد النار عصمنا الله وإياكم منها.
ومن المستحسن أن نشير إلى أمر مهم، يعي به المرء قيمة العلم ومرتبته، وهو أن معرفة الله وقصد التوجه إليه، ومعرفة الرسول وقصد اتباع ما جاء به، لا يتم ذلك إلا بالعلم، لأنه الدليل الموصل إليهما وهو رأس الأمر كله، قال ابن القيم:" (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110) فهذا هو العمل المقبول الذي لا يقبل الله من الأعمال سواه، وهو أن يكون موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم مرادا به وجه الله، ولا يتمكن العامل من الإتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم، فإنه إن لم يعلم ما جاء به الرسول لم يمكنه قصده، وإن لم يعرف معبوده لم يمكنه إرادته وحده، فلولا العلم لما كان عمله مقبولا؛ فالعلم هو الدليل على الإخلاص وهو الدليل على المتابعة وقد قال الله تعالى (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27) وأحسن ما قيل في تفسير الآية: إنه إنما يتقبل الله عمل من اتقاه في ذلك العمل وتقواه فيه أن يكون لوجهه على موافقة أمره، وهذا إنما يحصل بالعلم؛ وإذا كان هذا منزلة العلم وموقعه، عُلم أنه أشرف شيء وأجله وأفضله والله أعلم."انتهى [1]
والعمل لا تدوم منفعته ولا ترجى ثمرته إلا إن اجتنب صاحبه ما يضاده وهي على قسمين:
الأولى: ما يعطل العمل عن بلوغ كماله وتمام حاله، وهي أقل الدرجتين، لا يذهب بوجودها العمل ولا تنقض أركانه، وإنما هو منقص مؤثر فيه، إن لم يُتدارك بالتوبة والإنابة والاستغفار أدى إلى ما هو أكبر.
والثانية: ما يبطل العمل من أصله وأساسه وهي أخطر الدرجتين، لأن العمل ينحط ويزول بمجرد اقترافها، ولخطرها وقبحها وعظيم شأنها كان لزاما على المرء أن يعرفها ويسأل عنها وهي المرتبة السادسة التي سماها الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 82) / دار الكتب العلمية - بيروت.