دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة: 3) فمن ادعى أن من الأعمال ما لم يبينها الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا كافر بكلام الله كافر بحقيقة الرسالة، وأما من زاد أو أنقص في الدين مما ليس منه بقصد التعبد، فهذا محدِث مبتدِع، لقوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ." [1] أي مردود على صاحبه، وقد جمع الله هذين الأصلين في قوله (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: 2) قال الفضيل بن عياض في معنى الآية:"أي: أخلَصُه وأصوَبُه، قيل: يا أبا علي وما أخلَصُهُ وأَصْوَبُه قال: إنَّ العملَ إذا كان خالصًا ولَم يكن صوابًا لَم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لَم يُقبَل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالصُ ما كان لله، والصواب ما كان على السُّنَّة" [2]
وفي قول الله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: 125) قال ابن كثير في تفسيره [3] : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أخلص العمل لربه عز وجل، فعمل إيمانًا واحتسابًا (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعًا للشريعة، فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراؤون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالا جاهلا. ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (الأحقاف: 16) ."انتهى كلامه."
(1) البخاري (2550) ومسلم (1718) .
(2) رواه ابن أبي الدنيا في كتابه الإخلاص والنية (ص:50 ـ 51) ، وأبو نعيم في الحلية (8/ 95) .
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 354 - 355) تحقيق محمد أنس مصطفى الخن/ مؤسسة الرسالة ناشرون/ الطبعة 1 (1422 - 2002 م)