الصفحة 18 من 24

أركانه يقع مسمى الإيمان كما عرفه أهل السنة والجماعة بقولهم (قول وعمل واعتقاد) وبقدر تخلف واحد من هذه الأركان عن مجموعه، تتخلف الحقيقة الإيمانية، والمضغة الصالحة التي اجتمع فيها محبة المحبوب وإرادة فعل المأمور، لا تتخلف جوارحها عن الاستجابة، قال ابن رجب:"... فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام." [1] وهذا غاية في البيان لمن عقل وتدبر، فلا صلاح للجوارح إلا بصلاح قلبها، والعمل من أعلام الحب وأدلة الانقياد في الظاهر، فكان لزاما على المحب المريد العامل أن يوثق عمله بزمام الشرع حتى لا ينفلت عليه، لأن المحبة المنبعثة من القلب تهيج الجارح على العمل وهي كالشعلة والقوة له، فإن لم يضبطها انقلبت عليه، فيخرج بعمله عن المشروع، فيطرحه إما في مفاوز الغلو وإما في فيافي الإيغال، ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المرتبة الخامسة وهي:

كونه يقع على المشروع خالصًا صوابًا: أي كون العمل المأمور به لا بد أن يوقعه العامل على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم وهو ما يسمى بـ (الإخلاص والمتابعة) التي عبر المؤلف عنها بقوله (خالصا صوابا) .

فأما الإخلاص فهو (تجريد القصد طاعة للمعبود) [2] بحيث لا يميل قلبه في عمله وحاله إلى غيره سبحانه وتعالى، فيجرد قصده وتعلقه بالله تعالى المعبود المستحق لها، طاعة له سبحانه حبا وخضعانا، فيتوجه القلب لمحبوبه ابتغاء وجهه فينكسر بين يديه لما يعلم من عظمته وكماله وأنه لا يحب أن يشاركه في ذلك أحد، فيتحرك بذلك الحب المشوب بالخضعان فيوقع الإخلاص فلا (يعلمه ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا يعجب به صاحبه فيبطله) [3] .

وأما المتابعة فهي اتباع ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واقتفاء هديه، لأنه المبلغ عن ربه المبعوث إلى الناس كافة بوحيه، وأنه سبحانه أكمل له الرسالة وأتم له النعمة، فلا يزيد فيها إلا جاهل ولا ينقص منها إلا عاطل قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

(1) جامع العلوم والحكم (29) / دار المعرفة - بيروت/ الطبعة الأولى (1408 هـ) .

(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 182) لابن القيم/ دار الجيل - بيروت (1973 م) /تحقيق: طه عبد الرءوف سعد.

(3) الفوائد (99) لابن القيم/ دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية (1393 - 1973 م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت