الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الله تعالى خلق الخلق لغاية حميدة ومهمة مجيدة، ألا وهي عبادته وإفراده بها، ونفي الشريك عنه ومنابذته كما قال جل ذكره في أول أمر من كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 21) ، وكما كان أول نهي في الكتاب قوله جل في علاه (فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 22) فلا بد على المرء أن يمتثل هذه الغاية ويسعى في تحقيق مقامها، وهي حقيقة العبودية، التي رقيَ سطحها وسما في رتبها خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، فوسمه ربه جل في علاه بأعز الأسماء لديه وهو اسم (العبد) الذي لا يسمي به إلا من رضي عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله فقال في الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء: 1) وقال في الإيحاء (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (النجم: 10) وقال في الدعوة (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) (الجن: 19) وقال في التحدي (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 23) " [1] ، فهو لم يزل راقيًا في مقاماتها السنية، صاعدًا في درجاتها العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه.
وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فوجب تصديقهم واتباع ما جاؤوا به، لأنه من تمام الانقياد والإذعان، إلا من أعرض من مردة الإنس والجان، فخالفوا أمره الشرعي، وكتبوا على أنفسهم الشقاوة والعذاب السرمدي، كما قال جل ذكره وهو يبين ما يجب اتباعه من لدن نزول آدم عليه السلام من الجنة (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 123 - 124) .
(1) العبودية (47) تحقيق: محمد زهير الشاويش / المكتب الإسلامي/ ط- السابعة المجددة (1426 هـ - 2005 م) .