الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه لا يحب لغيره) [1] ، وكلما تمكنت المحبة في القلب قامت غصون الخوف والرجاء عاليا، وارتفعت على أصل وثيق لا تسبق إحداهما الأخرى، قال ابن القيم:"وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء وكل محب راج خائف بالضرورة فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه وكذلك خوفه فإنه يخاف سقوطه من عينه وطرد محبوبه له وإبعاده واحتجابه عنه فخوفه أشد خوف ورجاؤه ذاتي للمحبة فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وإقباله عليه ونظره إليه بعين الرضى وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه ... فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه." [2]
وهذه الثلاثة (المحبة مع الخوف والرجاء) هي (محركات القلوب إلى الله عز وجل وأقواها المحبة) [3] كما ذكرنا وهي (كالطير رأسه المحبة وجناحاه الخوف والرجاء.) [4] فإذا اجتمعت في قلب الصادق المحبة والإرادة مع العلم بما أمر به المحبوب تولدت العزيمة، وتحركت أشجانها، حتى تظهر على الجوارح خارجا، فتدفع المحب الصادق إلى امتثال المأمور المعلوم المحبوب المراد المعزوم على فعله فيفعله من غير توان ولا مطل، لمِا انعقدت في قلبه الأصول المحركة له، فتستجيب باقي الأعضاء لأمر مَلِكِها ولا تتخلف عنه أبدا وهذه هي المرتبة الخامسة التي هي:
العمل: وهو عمل الجوارح وهي الأعضاء الخارجة التي يقودها القلب فيحركها بقدر محبة المحبوب، والعمل دلالة الإيمان وتصديق ما وقر في الجنان، وباجتماع كل
(1) قاعدة في المحبة لشيخ الاسلام ابن تيمية الحراني (13) / مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة/ تحقيق: د. محمد رشاد سالم.
(2) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 42 - 43) لابن القيم /دار الكتاب العربي - بيروت/ الطبعة الثانية (1393 - 1973 م) / تحقيق: محمد حامد الفقي.
(3) مجموع الفتاوى (1/ 95) تحقيق: أنور الباز - عامر الجزار/دار الوفاء/الطبعة: الثالثة (1426 هـ / 2005 م) .
(4) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 36) لابن القيم /دار الكتاب العربي - بيروت/ الطبعة الثانية (1393 - 1973 م) / تحقيق: محمد حامد الفقي، وذكره ابن القيم عن أبي علي الروذباري المتوفى (322) قال (الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت) .