الله هو فرار القلب وفزعه إليه لا منه، والإنابة لا تكون إلا إلى المحبوب، والخشية لا تكون إلا من المحبوب، و الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة لا تكون إلا بالمحبوب، وهذا ما حمل الصالحين على العمل حتى بلغوا لذته، لأن المُحِب حقا لا يعجزه شيء في سبيل رضا محبوبه، تهون عليه الصعاب، وتخف عليه المثاقل، ويَكذِب من يدّعي حُبّ حبيبه وسِرّه مُنطَوٍ على خلافه، وقد قيل (إن تمكنت المحبة فشيء آخر) ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام نفيس:"المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروَّح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح، وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة ..." [1] انتهى
والمحبة المغروسة في القلب لا يتحرك نبتها ولا يتحرر نباتها فتظهر فيما بعد إلا بالإرادة، وهي متعلقة بالحبة التي غرست لا بما تخرجه، وهذا دقيق إذ الأمر متعلق بباطن الأرض (القلب) فإذا اجتمعت المحبة (الحبة المغروسة) والإرادة (حركة القلب) تحركت الحبة وقام عودها، والإرادة هي المرتبة الثالثة التي سماها المؤلف:
العزم على الفعل: وهو بمعنى حركة القلب (عمله) وإرادته الجازمة للفعل لتعلقه بمحبوبٍ لنفسه، وهذا مفرق الطرق، وبه يتميز المنقاد من غيره، لأن (كل حركة فأصلها
(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 6 - 7) لابن القيم /دار الكتاب العربي - بيروت/ الطبعة الثانية (1393 - 1973 م) / تحقيق: محمد حامد الفقي).