والمتعلق بأمر الله تعالى أن يدرك العبد أن الأمر من الله تعالى فيستقر في قلبه ويضبطه ويعقله، فلا يقبل أبدا أن يتغير أو يتحول عنه، لأنه من عند حكيم خبير، وأن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام نصدق به ونضبطه ونعقله لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فنصدق بأن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ند له ولا مثيل ولا سمي له، ونصدق أنه أرسل رسلا يدعون إلى إفراد الخضوع والمحبة والرهبة والرغبة وما ظهر من أفعال الجوارح له سبحانه، ونصدق أن وَعْده حق وأن ما يأمر به حق وأن ما ينهى عنه حق، لا يجوز مخالفته أبدا.
فالعلم بالأمر المقصود هو التصديق والعقْل وضَبْط ما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن كذّب أمره أو أهمله ولم يُرِد أن يعقِلَ عنه فهو الجاهل الظالم الذي لا يقبل الله له يوم القيامة عذرا.
ولما كان اسم التصديق واسعا في بابه كان لزاما على من وقر قَلبَه أن يُكمِل شطره الآخر الذي يقيّده، فيخرج بذلك تصديق المشركين والمرجئة، ويقع مسمى الإيمان، ويخالف به العبد مهايع الشيطان، لأن التصديق الموجب للعلم قد لا يوجب المحبة وانقياد القلب للعلم الذي قد صُدِّق وعُقِل وضُبِط، وهذا تصديق المشركين، فإن أوجب محبة ولم يوجب انقياد القلب للعمل صار توحيد المرجئين، وبهذا تَفقَه الفرق بين أولياء الله وبين أعدائه، فأهل السنة وسط بين طرفين، طرفٌ عَقِلوا أمر الله تعالى وضَبَطُوه فوقَعَ لهم العلم بأنه الحق ولكنَّهم لم يحبوه ولا انقادوا إليه بل أَبْغَضُوه وخَالَفُوه وعَادَوه ظلما وعلوا مصداقا لقوله تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل: 14) ، وطرفٌ عَقِلوا أمر الله تعالى وضَبَطُوه فوقَعَ لهم العلم بأنه الحق فأحبوه ولكنهم لم يعملوا بموجبه، وأهل السنة عَقِلوا أمر الله تعالى وضَبَطُوه فوقَعَ لهم العلم بأنه الحق فأحبوه وعملوا بموجبه.
المرتبة الثانية محبته: أي محبة أمر الله تعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام الذي وَقَرَ في القلب وصدَّقه العبدُ وضَبَطه وعَقِله، وخصه بالمحبة لأنها من أخص أعمال القلب وأجل أفعاله المجردة، وهي لا تكون إلا من صادق، وكل أفعال القلب ترجع إلى المحبة، فالتوكل لا يكون إلا على المحبوب، والخوف لا يكون إلا من المحبوب لهذا كان خوف