الصفحة 12 من 24

الأمر الثالث: أنه أرسل سبحانه الرسل، وهذا عندما اجتالتهم الشياطين فغيرت الفطرة ونقضت الميثاق وصيرت العقل يرى القبيح حسنا والحسن قبيحا، فأرسلهم لتذكير الناس بما خلقوا عليه من الفطرة السوية والميثاق القويم، وتبصير العقل بالحجج النيرات من الكونيات والشرعيات، حتى أقاموا الحجة وأفهموا الناس المحجة، فلم يبق بعد بعثتهم عذر لأي أحد ممن بلغته، ولذلك وبخهم الله تعالى يوم القيامة بقوله (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (الأنعام: 130) وقوله جل في علاه (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الأعراف: 35 - 36) وقوله (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر: 55 - 56 - 57 - 58 - 59)

فالخطاب الشرعي هو ما تضمن القسم الخبري والطلبي معا.

وقوله أمر الله: هو الخبري والطلبي معا، التي تظهر صورة الأول بالتصديق (بنفي ما نفت النصوص وإثبات ما أثبتت) ، وفي الثاني بالامتثال (بفعل ما أمرت النصوص بفعله وترك ما نهت النصوص عن تركه والابتعاد عنه) ، فالآمر هو الله ومعناه المألوه أي المعبود، مِن أله يأله إلهة، كعبد يعبد عبادة، وهما في الوزن والمعنى سواء، فهو (المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا أو محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعالى(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: 22 ) ) [1]

(1) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 387) تأليف/ ابن تيمية، تحقيق: د. ناصر العقل، دار العاصمة ط/ السادسة (1419 - 1998 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت