الصفحة 18 من 29

نفسه في الله فأبى إلا أن يغيظ أمية بن خلف وسائر المشركين، كلما قالوا له: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد يأبى ذلك ويصر أن يتمسك بالإسلام ويعض عليه ويثبت عليه ويأبى إلا أن يغيظ المشركين بالنطق بكلمة التوحيد تحت سياط التعذيب فيقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد، فهانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فجعل أمية بن خلف مولاه الحبل في عنقه وأعطاه غلمان مكة فجعلوا يلعبون به في شعاب مكة وطرقها وهو يقول: أحد أحد [1]

ولو ذهبنا نتتبع ما نال التعذيب والابتلاء من أصحاب النبي لأعيانا الحصر، ولكن بحسبنا هذا المثال وما نعلم.

وهذا تابعيّ جليل على خطى الصحابة، إنه أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي التابعي الجليل، كان - رحمه الله - من عباد أهل البصرة وزهادهم، حدث بقصة موته - فيما حكى ابن حبّان- عبد الله بن محمد قال: خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا وكان رباطنا يومئذ عريش مصر، قال: فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا ببطيحة -مكان واسع فسيح- وفى البطيحة خيمة فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه، وثقل سمعه وبصره، وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه، وهو يقول: اللهم أوزعنى أن أحمدك حمدًا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها علي وفضلتنى على كثير ممن خلقت تفضيلًا، قال عبد الله بن محمد: قلت: والله لآتين هذا الرجل ولأسألنه أنّى له هذا الكلام فهمٌ أم علمٌ أم إلهامٌ ألهمه، فأتيت الرجل فسلمت عليه، فقلت: سمعتك وأنت تقول:"اللهم أوزعنى أن أحمدك حمدًا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها على وفضلتنى على كثير من خلقت تفضيلًا"، فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها وأي فضيلة تفضّل بها عليك تشكره عليها؟! قال: وما ترى ما صنع ربي، والله لو أرسل السماء علي نارًا فأحرقتنى وأمر الجبال فدمرتنى وأمر البحار فغرقتنى وأمر الأرض فبلعتنى ما ازددت لربى إلا شكرًا؛ لما أنعم على من لساني هذا.

ويا عبد الله! إذ أتيتني لي إليك حاجة قد تراني على أي حالة أنا، فأنا لست أقدر لنفسى على ضر ولا نفع، ولقد كان معي بنيٌّ لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضئني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام فتحسسه لي رحمك الله!

فقلت: والله ما مشي خلق في حاجة خلق كان أعظم عند الله أجرًا ممن يمشي في حاجة مثلك، فمضيت في طلب الغلام، فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع

(1) طبقات ابن سعد (232/ 3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت