الصفحة 17 من 29

كن عن همومك معرضا ... ودع الأمور إلى القضا

وانعم بطول سلامة ... تغنيك عما قد مضى

فلربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا

الله يفعل ما يشاء ... فلا تكن متعرضا

والمثل الأعلى للمبتلين الصابرين: المصطفى الذي عاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى ويخطو على جمر الكيد والعنت يتلمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين فناله في سبيل ذلك ما لم ينل نبيًا فضلًا عن صديق أو صادق.

روى البخاري من حديث عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْج لنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِى عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِى إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِى، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِى، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِى، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِى فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِى مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَىَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [1] .

وأمتنا الإسلامية -على مر عصورها- لم تخل من نماذج عظيمة وقمم سامقة، في شتى نواحي الحياة، وهم في جانب الصبر كثر، ومن أمثلة الصبر العليا والنجوم في سمائه: بلال بن رباح الحبشي مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

وقد كان عبدًا لأمية بن خلف فلما بعث رسول الله اتبعه وآمن به وصدقه على ما جاء به فكان أمية يمنعه الطعام والشراب يومًا ويومين حتى يشتد به الجوع والعطش ويخرج به إلى الصحراء في شدة الحر وسط الظهيرة فيجرده من ثيابه ويضعه على الرمضاء ويعذبه ويقول: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد أو تقول في اللات والعزى خيرًا، قال ابن مسعود هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، هانت على بلال

(1) أخرجه البخاري (3231) ومسلم (1795) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت