الصفحة 16 من 17

وقد اقتضت الأوضاع التجارية أن يضع الجغرافيون كتب الدليل لهذه الرحلات؛ فذكرت الأماكن وموارد المياه والجبال، وبينت المسافات وأخلاق الأمم وعادات الناس وما عندهم من السلع والمصنوعات والمحاصيل الزراعية، وما اعتادوه من المكاييل والموازين والمقاييس. وجاب التجار البلدان، ونقلوا ما سمعوه من أخبار، وما شاهدوه من أحوال الناس، إلا أنهم - فيما وصل إلينا من رواياتهم - لم يتحَرَّوْا الحقيقة دائمًا، فجاءت بعض أخبارهم مزيجًا من الحقيقة والخيال.

13.في الجانب الاجتماعي حفلت كتب الرحلات بالأخبار الاجتماعية؛ كعادات السكان وأخلاقهم وتقاليدهم في حياتهم اليومية، ونشاطهم الاقتصادي ومستواهم الثقافي وأزيائهم، وأوضاعهم السياسية؛ كذكر الحروب والفتن، ونوع الحكم السائد في البلاد، ومراسيم البلاطات الأجنبية، وأثر ذلك على السكان. وتجد أمثلة لذلك في رحلة ابن بطوطة عما أصاب الناس من خنوع تحت حكم السلاطين المغول في العراق، وكيف أنَّ ذلك صرفهم إلى شؤون الدين، فصاروا أكثر اهتمامًا بالخلافات المذهبية على زمنه. ومما ساعد الرَّحَّالَة في تناولهم للظواهر الاجتماعية في البلدان الذي زاروها، تَعَدُّدُ نواحي ثقافتهم وقوة ملاحظاتهم التي تدعو إلى الإعجاب.

وقد شجع انتشار تلك المعلومات على الهجرة، والاختلاف بين المجتمعات، ومعرفة كل مجتمع للمجتمعات الأخرى، هذا إلى جانب أن الرحلات كانت سببًا في تقدم المجتمعات المتأخرة بما نقل إليها من علوم ومعارف المجتمعات المتقدمة.

ولم يقتصر الأمر على عملية الامتزاج الاجتماعي والثقافي، بل عرف خيرات كل بلد للآخر؛ إذ حفلت كتابات الرحالة بالمعلومات الاقتصادية: كثروات البلدان المعدنية وإِنتاجها الزراعي، والحرف الصناعية، والأطعمة والأغذية، وأنواع السلع والأسواق التجارية. وبيَّنَتْ المسافات وأوصاف الطرق والخانات بين الأقاليم والصعوبات التي واجهها الرحالة. وذلك في قالب أدبي يفيض بالحيوية والنشاط. فأفادت الرحلات المجتمعات الإسلامية، ووسَّعَتْ مدارك الناس.

14.لم يقتصر اهتمام الرحالة على ذكر جوانب حياة الإنسان الاجتماعية والدينية والاقتصادية، بل نجد أن بعضهم؛ كالقزويني (المتوفَّى عام 682 هـ) قد عُنِيَ بسرد عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات، ونبه إلى الاهتمام بدراسة الحيوانات وخصائصها ...

وبعد، فإن الرحالة من أسلافنا قد أفادوا مجتمعاتهم، وأَدَّوْا دورهم، وجمعوا معلومات قيمة عن البلدان التي زاروها. فحدث الاتِّصَال والتآلف بين الأفراد والجماعات في العالم الإسلامي، وما أَحْرَانا اليوم أن نحذوَ حذوهم ونقتدي بفعلهم، لاسيما وأن صعوبات رحلات اليوم لا تقارن بمثيلاتها بالأمس؛ فنستفيد معرفةً وتجاربَ جديدةً، وتوطد صلات المحبة والإِخاء في بلادنا الإسلامية، التي لا يعرف بعضنا سوى أسمائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت