الصفحة 15 من 17

ومن هنا، فلا غرابة إذا وجدنا أن المشارقة كانوا يتسابقون إلى الحصول على الإجازة من المغاربة، فهذا ضياء الدين عيسى بن يحيى الأنصاري السبتي كان مقصودا بالقاهرة، وهو الذي أَنشد في الإِجازة العامة فقال:

أَجَزْتُ لمن سَمَّى بها ما يجوز لي ... روايته بالشرط في كل مسند

9.تعد الرحلات مصدرا فريدا لكثير من النصوص الأدبية شعرًا ونثرًا. فلقد انفردت برواية كثير من النصوص، وهكذا فأغلب الرحالين حرَصوا على أن تَضُمَّ رحلاتهم النوادر، كما أنهم أدرجوا في رحلاتهم كثيرا من قصائدهم الشعرية ورسائلهم النثرية مما له علاقة بظروف الرحلة، مما جعل الرحلات ذات أهمية خاصة، فأكثر الرحالين لم تعرف لهم أشعار أو كتابات إلا من خلال ما ورد في رحلاتهم. ومن أجل ذلك اعْتُبِرَتْ الرحلات بمثابة دواوين لأصحابها، ومجاميع ضمت ألوانا من إنتاج علماء العصر وأدبائه.

10.كتب الرحلات مصدر مهم أيضا لدراسة الحركة النقدية، فمن خلال ما صدر عن الرحالين من آراء نقدية وتصويبات وتعليقات تَكَوَّنَ لدينا رأي واضح عن الاتجاهات والمقاييس النقدية التي ترجع إلى مقاييس ذوقية، ولغوية، وبلاغية، وعروضية، وتكاملية ...

وبجانب الهدف الرئيس للرحلة في طلب العلم، كانت تتحقق أهداف أخرى في التعرف إلى أحوال البلاد السياسية ومراكز الحياة العلمية، ومشاهدة الطرق والمسالك وحياة الناس من عادات وأخلاق ونحوها.

11.ففي كتب الرحلات أمثلة كثيرة لسيادة النفحة الروحية وتمكنها من نفوس الناس، شعبيين ورسميين؛ وهكذا كثرت الرحلات الزيارية والرحلات السياحية، من أجل ملازمة الشيخ وما إلى ذلك، بل إن هناك مؤتمرات يقصدها المتصوفة؛ من نحوِ ذلك الذي حضره ابن قنفد بدكالة مع من لا يحصى من الفضلاء. ومن مظاهر هيمنة الناحية الروحية، لم تَخْلُ رحْلَة من الحديث عن كرامات الصلحاء والأولياء والشيوخ، وروايات سند خرقة التصوف، وإثبات الورد أو حزب الشيخ ... مع التنبيه على ما في ذلك من شركيات.

12.وفي الرحلات بيان رواج التجارة في فترات مختلفة من عصور دول الإسلام؛ بحيث كانت تجارة تربط الأقاليم الإسلامية بعضها ببعض داخل حدود الدولة، وتجارة أخرى تجاوزت تلك الحدود وصل بها التجار أواسط إفريقيا، وشمالي شرقي أوروبا، وجنوب شرقي آسيا، وهو ما نصطلح عليه اليوم بالتجارة الدولية.

والحق أن العرب قد عرفوا التجارة الخارجية مع الأقوام المجاورة قبل الإسلام، ولعبت بلادهم دور الوسيط في التبادل التجاري بين الهند وإفريقيا الشرقية من ناحية، وبلاد دجلة والفرات، وإمبراطورية الروم من ناحية أخرى. ولما جاء الإسلام انضافت دوافع ومحفزات جديدة شجعت التجار، ونَمَتْ التجارة على إثر ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت