الصفحة 14 من 17

المغرب فقيها بمذهب مالك [1] ، وكان قد تفقه فيه على أبي محمد صالح فقيه المغرب في وقته، ولذلك"انتهت إليه الرياسة بالديار المصرية وعليه مدار الفتيا في زماننا"، كما قال ابن رشيد [2] . وهذا مروان بن عبد الملك بن سنجون اللواتي الطنجي قال:"لم أدخل إلى الشرق حتى حفظت أربعة وثلاثين ألف بيت من أشعار الجاهلية" [3] . فإذا كان هذا الإلمام الواسع بالتراث الأدبي، والحفظ الدقيق للشعر الجاهلي، فما عسى أن يكون قد حفظ معها من العلوم الأخرى؟ كما أشارت الرحلات إلى كثير من المواقف التي أبدى فيها الرحالة المغربي آراءه التي كثيرا ما تخلق أصداء الإِعجاب والتقدير. والأمثلة كثيرة في رحلات ابن رشيد، والعبدري، والتجيبي، وابن خلدون على الخصوص.

ومن هنا، لم تكن الرحلة إلى المشرق تتوخى - دائما - التلمذة والدرس والطلب، وإنما كانت من أجل أهداف وغايات أخرى؛ كزيارة المراكز الثقافية، وجلب الكتب، ولقاء العلماء ومجالستهم، والحصول على الإجازات، وبناء الشخصية العلمية، أو القيام بسفارة لدى ملوك مصر خاصة، أو حمل المصاحف إلى الأماكن المقدسة هناك.

8.كان الاحترام الذي يقابل به الرحالة عموما ناتجا في الغالب عن إثباتِ المغاربة تفوقَهم في النقاش، وقدرتِهم في المناظرة، وتمكنِهم من الحفظ والتمثل والاستدلال بالشواهد والأمثلة. فأبو القاسم عبد العزيز العبدوسي (ت 837 هـ-1433 م) أعجب التونسيون بعلمه وتسابقوا إلى حلقات دروسه، وتَبَيَّنُوا إتقانه لكل من علوم الشريعة والقواعد العربية فازداد عجبهم، واشتدَّ إقبالهم على دروسه. والشيء نفسُه وقع لابن رشيد السبتي في مصر [4] ، وهذا ابن بطوطة الذي عين قاضيا على الركب الحجازي بعد خروجه من تونس، ولم يكن قد مضى على الشروع في رحلته إلا بضعة أشهر [5] . وكذلك تقديم الشيخ أبي عبد الله المرشدي (و هو من كبار الأولياء المكاشفين -كما يقول-) له ليؤم بهم في الصلاة، ولم يكن قد تجاوز في رحلته مصر [6] . وكذا ملاحظته اللحن على خطيب البصرة، واعتباره ذلك مظهرا لتغير الأحوال، وتقلب الأزمان. فالمدينة التي انتهت إلى أهلها رياسة النحو يلحن خطيبها"لحنا كثيرا جليا. [7] "

(1) 1 - الديباج ص 332، رحلة ابن رشيد 5/ 68 أ.

(2) 2 - رحلة ابن رشيد 5/ 69 ب.

(3) 3 - معجم البلدان 4/ 43، الأدب المغربي، ص 119.

(4) 4 - رحلة ابن رشيد 3/ 12، وأدب الرحلة بالمغرب، 1/ 86 - 87.

(5) - الرحلة، ص 14.

(6) - نفسه، ص 25.

(7) - نفسه، ص 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت