ولقد تنوعت الرحلات الحجازية في طريقها، وطريقتها، ومنهج تدوينها، ومحتوياتها، لكنها توحدت في الدوافع التي جعلت أصحابها يقومون بها، وأهمها أداء الفريضة، وزيارة المسجد النبوي والبقاع المقدسة.
إن هذا التنوع جعلها تتكامل فيما بينها، حيث لا يمكن لنا أن نستغني عن أي واحدة منها. فمثلا لا يمكن قراءة رحلات العبدري أو ابن خلدون أو ابن رشيد دون الرجوع إلى رحلة ابن جبير.
كل هذه نماذجُ من الرحلة عند المسلمين، تختلف وجهاتها، ومقاصدها ودوافعها وطرقها وكيفيتها ... لكن تبقى شاهدة على رقي هذه الأمة وتحضرها، وتدل دلالة واضحة على أن فلسفة الوجود والحياة والحرية مختلفة في الثقافة الإسلامية عن غيرها من الحضارات ...
حاولت في هذه الدراسة المتواضعة، التأكيد على أن الرحلة الحجية المغربية تشكل"وثيقة حضارية ثقافية، ربطت بين المشرق والمغرب الإسلاميين، من خلال تنقلات الرحالة في كتابه بين عوالم عاش فيها واندمج مع سكانها وتأثر بهم وبعاداتهم، وبذلك سجل كل المعلومات وكل الدقائق التي عرفها في كتاباته ونقلها إلى مجتمعه ليربط بين شعوب وحضارات وثقافات في لحظات مختلفة، وفي ظروف متمايزة، كما أنه بطبيعة الحال، سينقل ثقافة مجتمعه وحضارته إلى كل البلاد التي أقام بها ورحل إليها أو اتخذا محطة استراحة في طريقه إلى مبتغاه، مبينا أوجه التقارب والاختلاف، معتزا بانتمائه إلى بلده وبقدرته على ربط جسر للتفاعل والتلاقح والتواصل بين الحضارات في المشرق والمغرب ..."
ولا أخفي أن طموحي في بداية الأمر كان كبيرا؛ بحيث كنت عازما على تغطية الفترة الوسيطية، لكن لما بدأت خوض غمار البحث تبين لي أن المجال الزمني المتاح لي قد لا يسعفني، فاقتصرت على العصر المريني الذي يزخر بشكل لافت للنظر، بالمادة المصدرة، سواء فيما يتعلق بنصوص الرحلات، أو كتب التاريخ العام، أو كتب أخرى التي تعتبر مكملة للمعلومة بشكل دقيق وإن كانت هذه المصادر غير إرادية.
ولعل أهم ما خلصت إليه، هو أنني ملزم بإتمام هذا العمل -إن شاء الله تعالى-، وفاء لما قطعته على نفسي، حتى أحقق مجموعة من الأهداف التي رسمتها في البداية، للإجابة عن السؤال الإشكالي، وهو:
ما مدى أهمية الرحلات الحجية المغربية في العصر المريني ودورها في تحقيق التواصل بكل مظاهره بين المغرب والمشرق الإسلاميين، وهل المعلومات والمعارف الواردة في هذه الرحلات، صادقة وشاملة بالمقارنة مع ما كتب عموما عن هذه المرحلة؟
وإن كنت قد حققت جزءا مهما مما كنت آمله، إلا أن الآمال أكبر، وطالب العلم ملزم بالنظر إلى معالي الغايات، فأسأل الله الكريم، أن يوفقني فيما بقي من العمر، أن أثري هذا البحث بما هو قمين بالإسهام النوعي في مجاله.