الصفحة 10 من 23

المكونة للبيئة: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [1] ، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [2] . «وحفظ البيئة يوجب علينا أن نحافظ على المال بكل أجناسه وأنواعه: نحافظ على موارده فلا نتلفها بالسفه، ونستنزفها بلا ضرورة ولا حاجة معتبرة، ولا نحسن تنميتها ولا صيانتها، فنتعرض للهلاك والضياع، ولا نسرف في استخدامها، فنضيعها قبل الأوان» [3] .

نخلص مما تقدم إلى أن مقاصد الشريعة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحماية البيئة والحفاظ عليها من الاستنزاف أو التلف أو الفساد، وهذا ما تنبه إليه علماؤنا الأوائل؛ فقد جاء في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [4] ما يأتي: «هذا نهي عن إيقاع الفساد في الأرض، وإدخال ماهيته في الوجود، فيتعلق بجميع أنواعه من إيقاع الفساد في الأرض: إفساد النفوس والأنساب والأموال والعقول والأديان» [5] .

المطلب الثالث

الأحكام الشرعية لرعاية البيئة

يقول الغزالي في المستصفى: «والفقه عبارة عن العلم والفهم، في أصل الوضع، يقال: فلان يفقه الخير والشر، أي يعلمه ويفهمه، ولكن صار -بعرف العلماء- عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة .. كالوجوب والحظر والإباحة والندب والكراهة، وكون العقد صحيحًا وفاسدًا وباطلًا، وكون العبادة قضاء وأداء، وأمثاله» [6] . وعلم الفقه ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمن حوله وما حوله من الإنسان والحيوان والكون، فهو بهذا لصيق الصلة بعناصر البيئة.

وقد بدأ الفقهاء -في رعايتهم للبيئة- ببيان الأحكام الجزئية، ثم تطور علم الفقه بعد ذلك فأخذ في وضع القواعد والضوابط الكلية، وفي جميع مراحل تطوره كان يهتم بالتطبيق العملي في الفتوى والقضاء.

ولهذا نقسم هذا المطلب إلى فرعين: نخصص أولهما لبيان جهود الفقهاء في رعاية البيئة عن طريق الأحكام الجزئية. ونعرض في الفرع الثاني بعض القواعد والضوابط التي تنظم حماية البيئة.

(1) سورة الأعراف: 31.

(2) سورة الإسراء: 29.

(3) يوسف القرضاوي، المرجع السابق، ص 51.

(4) سورة الأعراف: من الآية 56.

(5) أبو حيان، البحر المحيط: 4/ 311 - 312.

(6) الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ط: بولاق (1322 هـ) : 1/ 4 - 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت