إليه الخليل في قوله:"الخَصْم: واحدٌ وجميعٌ، قال الله عزّ وجلّ: {وهل أتاك نَبَأُ الخَصْم إذ تَسَوَّروا المِحْراب} ؛ فجعلَه جَمْعًا" [1] .
أو يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، كقوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} ، وفي ذلك ذهب الشيخ السمين إلى أن المأمور واحد، وإنما أتى بضميرِ اثنين، دلالةً على تكرير الفعل كأنه قيل: أَلْقِ أَلْقِ [2] ، ثم ذهب إلى ما قال به الخليل، وهو أن الله تعالى أراد أَلْقِيَنْ بالنونِ الخفيفة، وأبدلت ألفًا إجراءً للوَصْلِ مُجْرى الوقفِ، ويؤيِّده قراءةُ الحسنِ"أَلْقِيَنْ"بالنونِ [3] ، وقيل: العرب تخاطِبُ الواحدَ مخاطبةَ الاثنين تأكيدًا كقولِ سويد بن كراع:
فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا بْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ = وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعَا [4]
ومن العدول إطلاق الشيء والمراد غيره، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} ، وقد ذهب الشيخ السمين إلى أنَّ المراد: كرَّات فهو من إطلاق لفظ التثنية والمراد الجمع، وهذا كقولهم:"لَبَّيْك، وسَعْديك، وحنانَيْك، ودَواليك، وهذاذَيْك، لا يُريدون بهذه التثنيةِ شَفْعَ الواحدِ، إنما يريدون التكثيرَ أي: إجابةً لك بعد أخرى" [5] ، وهذا ما ذهب إليه الخليل، حيث قال:"وأما قولك: لبيك إنما يريدون قربًا ودنوًّا، على معنى إلباب بعد إلباب، أي قرب بعد قرب؛ فجعلوا بدله لبيك، ويقال: ألب الرجل بمكان كذا وكذا؛ أي: أقام" [6] .
ومن العدول طرح الحركة الإعرابية، وذلك في نحو قوله تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} ، ومعلوم أن النحاة لا يجوزون إسكانَ حركةِ الإِعرابِ إلا في ضرورة الشعر، ورُوِي عنه سيبويه أنه كان يُخِفُّ الحركةَ ويختلِسُها [7] ، قال السمين:"وهذا هو الحقُّ". وحكي عن أبي عمرو إسكانُ الميم، ووجهه أنَّ الحركة لم تكن إلاَّ خلسةً خفيفةً، فظنَّها الرَّاوي سُكُونًا،
(1) كتاب العين 4/ 191
(2) الدر المصون 13/ 164
(3) الجمل في النحو 257
(4) شرح شافية ابن الحاجب 4/ 483
(5) الدر المصون 10/ 380
(6) الجمل في النحو 153
(7) الكتاب 1/ 164