حسُن الإسلام استلزم ذلك ترك ما لا يعني من المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات (وهو القدر الزائد على الحاجة) .
فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، وبلغ درجة الإحسان الذي أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقته في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: (( أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) )؛ (أخرجه مسلم وغيره) .
ومَن عبَد الله على استحضار قربه من ربه أو قرب ربه منه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، واشتغل بما يعنيه من صحة اعتقاد وكمال إيمان وصلاح عمل، وطلب ما هو من ضرورات معاشه، لا قيام لحياته بدونه، من ألوان المباحات، وعلى العكس من ذلك، مَن أضاع نفائس الأوقات فيما لم تُخلَق له باشتغاله بما لا يعنيه، فانصرف به عما ينفعه ويرتفع بمقامه ويبلغ به صحيح الغايات وشريف المقاصد وكريم المنازل، فخسر هنالك خسرانًا مبينًا.
ألا وإن من اشتغال المرء بما لا يعنيه تعلم ما لا يهم في العلوم، وترك الأهم منها مما فيه صلاح قلبه، وتزكية نفسه، ونفع إخوانه، ورفع شأن وطنه وأمته، ومنه أيضًا عدم حفظ اللسان عن لغو الكلام، وعن تتبع ما لا يهم ولا ينفع تتبعه من أخبار الناس وأحوالهم وأموالهم ومقدار إنفاقهم وادخارهم، ومن إحصاء ذلك عليهم، والتنقيب عن أقوالهم وأعمالهم داخل دورهم وبين أهليهم وأولادهم، بغير غرضٍ شرعي، سوى الكشف عما لا يعني من خاص أمورهم وخفيِّ أمورهم.
ومن ذلك أيضًا - يا عباد الله - تكلم المرء فيما لا يحسنه ولا يتقنه، مما لا يعرف له تخصص فيه ولا سابق إلمام أو خبرة به، ولم يكن مطلوبًا منه التحدث أو إبداء الرأي فيه، وما ذلك إلا لطلب التسلي وإزجاء الوقت وإضاعته وتصدر المجالس وصرف الأنظار إليه، وقد يخرج به ذلك إلى الخوض فيما لا يجوز الخوض فيه من أحاديث الفواحش والشهوات ووصف العورات، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ونشر قالة السوء، وبث الشائعات والأكاذيب والأخبار المفتريات، وقد يجتمع إلى ذلك ولعٌ بما يسمى بالتحليلات والتوقعات، المبنية في غالبها على الظنون والأوهام، وكل ذلك مما لا يصح تتبعه، ولا الخوض فيه، ولا الاستناد إليه، ولا الاغترار به، ولا العمل بمقتضاه"؛ اهـ."