واستمرت المعركة بين الطرفين ثلاثة أيام. وفي اليوم الثالث حمل الخوارج على جيش المهلب: حمل رجل من الخوارج على رجل من رجال المهلب فطعنه، فحمل عليه المهلب فطعنه، فحمل الخوارج بأجمعهم، فضعضعوا الناس (1) فانهزموا حتى بلغت الهزيمة البصرة وخاف أهلها السباء. في هذا الموقف الحرج، أسرع المهلب حتى سبق المنهزمين إلى مكان مرتفع، ثم نادي؛ إلى عباد الله!»، فثأب إليه جماعة من قومه، وثابت إليه سرية من عمان، فاجتمع إليه منهم نحو من ثلاثة آلاف أكثرهم من الأزد قومه، فخطبهم قائلا: «أما بعد، فإن الله ربما كل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيه مون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة .... إني لجماعتكم لراض، وإنكم أنتم لأهل الصبر وفرسان أهل المصر .... وما أحب أن أحدة ممن انهزم معكم، فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا. عزمت على كل امرئ منكم لما أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم، فإنهم الآن آمنون؛ وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم ... ؛ وأقبل المهلب راجعة برجاله، فما شعرت الخوارج إلا والمهلب يقاتلهم في جانب عسكرهم، فقتل المهلب أمير الخوارج وكثيرا من أصحابه وغنم معسكرهم. وأقبل من كان يطارد المنهزمين من أهل البصرة راجعة، وكان المهلب قد وضع لهم خيلا ورجالا على طريق عودتهم تختطفهم وتقتلهم، مما اضطر الخوارج على الانسحاب إلى (كرمان) (2) بعد أن تكبدوا خسائر فادحة بالأرواح والأموال (3) ؛ وبذلك
(1) الكامل للمبرد (179/ 3) .
(2) کرمان: ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى واسعة، راجع التفاصيل في معجم البلدان (291/ 7) ، وانظر حدود کرمان وتفاصيل عنها في المسالك والممالك للإصطخري (97 - 100) ، و کرمان بفتح الكاف وربما كسرت
(3) الطبري (4/ 480. 481) وابن الأثير (4/ 77 - 78) والكامل للمبرد(3/ 179 -
182)وانظر سرح العيون (103) .