تأثرة إلى إعادة تحالفاتها وحساباتها على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك من أجل إقامة أعمدة علاقات متوازنة جديدة تضمن لها الاستقرار وعدم هيمنة جبهة على أخرى. ولهذا السبب انقسمت الدول العربية في توجهاتها ومواقفها السياسية إزاء"الربيع العربي"، وكيفية التعامل معه، حيث أيد بعضها ما يحدث في دولة، وعارض مايجري في دولة أخرى، كما كانت تلك المواقف تراوح بين السلوك الخجول المتردد والقرار الجريء، الأمر الذي يفسر الانقياد لتأثيرات تغير ميزان القوى والمصالح في المنطقة. (20)
وفي الوقت الراهن، يبدو أن العالم قد دخل في منظومة أخرى من العلاقات الدولية تتمثل في قيام نظام متعدد الأقطاب، تحاول كل دولة من خلاله تعزيز مصالحها، ولكن ليس من خلال الاعتماد على القوة العسكرية فقط. إلى جانب ذلك، وكما ذكر سلفا، فإن انسحاب القوى الدولية المهيمنة والضامنة للاستقرار من بعض المناطق أوجد حالات فراغ تتكاثر فيها مظاهر التوتر وعدم الاستقرار، وتتحول إلى ساحات صراع بين قوي وتيارات محلية بدعم من الخارج. هذا هو الافتراض العام.
وفي هذا السياق، يمكن القول: إن انسحاب الولايات المتحدة من العراق، وبدء انسحابها من أفغانستان، وتقليص تعهداتها الدولية، قد أديا إلى تفاعل الأحداث بشكل مختلف، الأمر الذي أثار كثيرة من الأسئلة المحيرة، وبخاصة تلك المتعلقة ب"الربيع العربي". (21) وفي ظل حالة الفراغ التي تتزامن مع ظواهر العولمة، ومنها ثورة الاتصالات والمعلومات، التي ولدت بدورها الظاهرة"التكنو شبابية"، والتفاعل السياسي غير المسبوق، يمكن تفسير سات الفجائية والتماثل والتزامن التي ميزت مشهد"الربيع العربي". ولا شك هنا في أن الدول والجماعات السياسية قد اتخذت ردود فعل متباينة طغت عليها الانفرادية وعدم الوضوح بسبب التناقضات في ذلك المشهد، إلى جانب تسارع أحداثه. وأكثر من هذا، فإن ما ساعد على إشاعة ما يشبه الفوضى السياسية على مستوى اتخاذ القرار هو عدم وجود أدوات وآليات للمعالجة وحل الأزمات لدى معظم الحكومات العربية التي باتت في ظل متاهة يرثى لها.