وبمعنى آخر، فإن والتز يرى أن ظاهرة الحرب، على سبيل المثال، بين دولتين، ومشاركة عديد من الدول فيها هي بلا شك نتيجة الحراك الذي يشهده النظام الدولي بين الأقطاب الرئيسة التي تهيمن عليه. لذا فإن الأقطاب العالمية هي التي تحدد مستوى الاستقرار وعلاقات السلم والحرب في النظام العالمي. وبالتالي، إذا ما طرأ أي تغيير على أي من هذه الأقطاب الرئيسة، فلا شك في أن النظام العالمي سيشهد تحولا لنظام آخر يتبعه بالضرورة تغييرات جذرية في التضاريس السياسية على مستوى العالم. ومن المعروف أن النظام العالمي يتغير وفقا لتغيرات القوى الرئيسة التي تجسد الهيمنة عليه، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشيوعية حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل من أجل إنشاء نظام عالمي ذي قطب واحد، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنها العابرة للقارات. وفي سبيل تعزيز دورها كقطب دولي واحد دخلت الولايات المتحدة في حروب إقليمية في كل من العراق وأفغانستان، کا انخرطت في نزاعات سياسية محورية على جبهة الدول التي حملت إرث الاتحاد السوفيتي وعلى رأسها روسيا، علاوة على جبهة باردة أخرى تمثلت في حلفائها التقليديين في الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا اللتان رفضتا منطق القطب الواحد. ومن جهة أخرى، فلا شك في أن المحور الآسيوي بقيادة الصين هو الآخر يرفض ذلك النموذج الأحادي، الأمر الذي قطع الطريق أمام إعادة تشکيل نظام قطبي أحادي، والدفع في اتجاه نظام التعددية القطبية على الصعيد العالمي، الذي اقترن بحدوث كثير من رياح التغيير في كل صوب وحدب من العالم، وبأشكال متعددة، وعلى فترات متباينة.
لقد قادت الظواهر والمؤشرات العالمية المتصلة بالقوة والهيمنة والنظام العالمي التي عكف عليها كثير من المتخصصين في العلاقات الدولية إلى استنتاج رئيس مفاده أن الولايات المتحدة ليست قادرة على الاستحواذ والتحكم بزمام الأمور كقطب دولي يستطيع أن ينفرد بضمان استقرار وتشكيل النظام العالمي. فهذا تشارلز کيجلي Charles Kegley وجريجوري رايموند Gregory Raymond في كتابها سلام التعددية القطبية، يذهبان إلى أن التغير في مفهوم القوة ومقوماتها قد أدى إلى زعزعة قوة الولايات المتحدة،