أما من حيث البعد المعرفي، فلا ريب في أن هذه الأحداث الفجائية المتسارعة قد كشفت عن غياب ملحوظ لدراسات استشراف المستقبل لدى المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط بشكل عام. فلم يکن شائعة أن ينشغل الباحثون في مجال العلاقات الدولية أو السياسة المقارنة في الشرق الأوسط بتنبؤات التغيير إلا فيما ندر، وذلك من خلال معالجات هامشية أو ناذج بناء السيناريوهات، وليس من خلال الانطلاق من منصات نظريات التغيير، فهل كان ذلك بسبب تواضع البحوث السياسية الاستشرافية العلمية الجادة، أم إن اليأس من التغيير قد تمكن من الباحثين إلى الدرجة التي منعتهم من رؤية"تسونامي"التغيير الذي كان يلوح في الأفق؟
كل ما سبق من أفكار وتساؤلات، لابد من أن تدور في عقل أي باحث يريد الوصول إلى تفسيرات علمية ينتظمها سياق واقعي ومنطقي، وهذا ما يقود إلى التركيز في عملية التحليل على زوايا يكون من شأنها استكمال بحوث أخرى تنتهج الأسس العلمية في استنطاق الأحداث ما ظهر منها وما بطن. ومن هنا كان اهتمام هذا الفصل في جانب منه بطرح رؤية نظرية لفهم أحداث"الربيع العربي"، الذي قد لا يكون ربيعة على النحو الذي توقعه الكثيرون، أو أرادوا له أن يكون كذلك.
ولكن قبل تناول النظرية المناسبة التي تفسر التغيير السياسي الراهن في الشرق الأوسط، يتعين التأكيد على أن ظاهرة التغيير المشار إليها لا تدخل في إطار النظرية المقارنة إذ إنها تعتبر ظاهرة"عبر قومية"تتجاوز حدود الدول، إلى جانب تشابك العلاقات و انتقال بعض فواعلها البشرية الرئيسية مثل الجماعات عبر القومية، وخاصة الإسلامية، إضافة إلى الفواعل المادية المتمثلة في تكنولوجيا المعلومات الاتصالات التي تندرج أيضا في إطار ظواهر العولمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظر إلى هذا التغيير من خلال واقعة المحلي في كل دولة على حدة لن يقود إلى خلق منظور متاسك علمية يمكن أن يكشف عن حجم وطبيعة التداخل بين التغيير في دول مختلفة، كما لن يسمح بالتوصل إلى إجابات على كثير من الأسئلة التي تمت الإشارة إليها سلفا، وبخاصة فيما يتعلق بعناصر التماثل والتزامن