الصفحة 56 من 434

إلى أين ستمضي عملية سقوط أحجار الدومينو؟ ولكن في الوقت الذي يصعب فيه على العقل قبول عفوية هذا السلوك، يجد البعض أيضا صعوبة أخرى في فهم مصفوفة طلاسمه، وهو ما يوجب توظيف السياسة بوصفها علم وليس عملا - مثلما قال ماكس فيبر قبل ما يقارب المئة عام - لفهم ألغاز هذا التزامن في عملية التغيير التي طالت أنظمة عتيدة.

ومن حيث الفجائية، فهناك أيضا طلسم لا يقل غموضا عن سابقيه من حيث السرعة في تواتر الأحداث، والانتقال من حالة لا يعلو فيها صوت على صوت الحاكم إلى حالة أخرى تنادي فيها الشعوب عالية بسقوط هذا الحاكم. هذه الفجائية لم تصدم الأنظمة الحاكمة ولا المراقبين فحسب، بل كانت غير متوقعة أيضا حتى بالنسبة إلى الفاعلين في ثورات الربيع العربي، الذين ارتفعت مطالبهم شيئا فشيئا إلى أعلى سقف،

حتى تمكنوا من إطاحة حكام راسخين ظلوا في سدة السلطة عقودة، أمثال زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، و معمر القذافي في ليبيا، وعلي عبدالله صالح في اليمن. وفي حقيقة الأمر، فإنه لم يكن في تخيل العامة، ولا في خيال المتخصصين أن تمضي الأحداث بهذه السرعة، على الرغم من انتشار دوافعها في بيئة المجتمعات العربية التي طغى عليها الفقر والبطالة وانتهاك حقوق الإنسان، وغلب عنصر الشباب على هياكلها الديمغرافية، وصادرت الأنظمة التسلطية الحاكمة فيها أي إمكانيات أو فرص للتحول الديمقراطي السلمي.

إن عنصر المفاجأة في ثورات الربيع العربي جدير بالدراسة من أبعاد عدة، وخاصة على المستويين النسقي والمعرفي. فمن حيث النسق، وجب على الباحث أن يتساءل: لماذا حدث كل هذا في آن واحد وبسرعة؟ وإذا كانت الأسباب مجتمعة وواضحة، فلماذا اقتصرت على دول دون أخرى؟ أي لماذا وقعت تلك الأحداث المتشابهة في بلد ما ولم تقع في بلد آخر مجاور على الرغم من تشابه المقدمات؟ وهل هو اختلاف زمني فقط ينبئ بسريانه مستقبلا على الآخرين، أم إنها هزة زلزال أسفرت عن تغييرات سياسية جديدة مالبثت أن استقرت الأوضاع بعدها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت