التأصيل لهذا التحول استنادا إلى مراجعات جادة، فالفتاوى السابقة بشأن رفض الديمقراطية والتعددية الحزبية والعمل السياسي لا تلغي بقرارات سياسية وإدارية، بل باجتهادات فقهية جديدة تؤصل لهذا التحول. ومن المفارقات هنا أنه على الرغم من انخراط الدعوة السلفية وذراعها السياسية حزب النور السلفي في العمل السياسي في مصر، فإن قيادات بارزة فيها، مثل نائب رئيس مجلس إدارتها الشيخ ياسر برهامي، لا تزال حتى الآن تردد فتاوي من قبيل «عدم جواز تولي النصارى الوظائف السيادية في الدولة» (39) ، ما يعني ضرب عرض الحائط بمفهوم المواطنة الذي ترتكز عليه الدولة الحديثة، وجوهره المساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية. وفي ضوء ذلك تأتي أهمية المراجعات الفقهية والفكرية والسياسية الجادة والحقيقية التي يتعين أن تقوم بها الحركات والأحزاب الإسلامية حتى يتسنى لها الانخراط بجدية في عملية تأسيس عقد اجتماعي جديد يستند إلى مبادئ جوهرية من أهمها: التوافق على الطابع المدني للدولة الوطنية، ولاسيما أن الإسلام لم يعرف لا في أصوله ولا في تاريخه ظاهرة الدولة الدينية، وكذلك مبدأ المواطنة الذي يجب أن يكون هو أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فضلا عن القبول بالديمقراطية كاختبار نهائي وأصيل سواء من حيث قيمها ومبادئها أو آلياتها وإجراءاتها. ومن المهم التأكيد هنا على أن عملية المراجعة يجب أن تشمل أيضا الأحزاب الأخرى من ليبرالية وقومية ويسارية؛ إذ إن الكثير منها دأب على التعامل مع قيم وقواعد الديمقراطية بطريقة انتقائية تنطوي على انتهازية سياسية واضحة، مما يؤكد عدم رسوخ قيم الديمقراطية لدى النخب السياسية العربية بمختلف أطيافها.
4.لاشك في أن تحقيق تقدم ملموس على صعيد إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس عصرية حديثة في حالات مثل اليمن وليبيا والعراق، ومواجهة المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وترسيخ مسار عملية التحول