أما بالنسبة إلى ليبيا، فقد انتعشت الأحزاب والحركات الإسلامية خلال فترة الحرب ضد نظام القذافي وبعدها. وفي هذا السياق، فقد ظهرت أحزاب إسلامية انخرطت في العمل السياسي مثل حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا. وبالمقابل نشطت جماعات سلفية جهادية تتبنى نهج العنف، وترفع شعار تطبيق الشريعة، وبعض هذه الجماعات سابق على الثورة الليبية مثل جماعة التوحيد والجهاد، وبعضها الآخر نشأ بعد انطلاقة الثورة مثل جماعة أنصار الشريعة، التي تعد الأشد تأثيرة مقارنة بالجماعات السلفية الجهادية الأخرى، بحكم أنها تضم في صفوفها عناصر كانت تنتمي في السابق إلى وحدات عسكرية، كما أن لديها ترسانة ضخمة من الأسلحة. ولذلك فقد ارتكبت بعض أعمال العنف، کما أتهمت بالهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي في سبتمبر 2012. (33)
وهكذا أصبحت بعض الجماعات السلفية تشكل تحديا حقيقية في عديد من الدول العربية. ويشمل ذلك الجماعات التي انخرطت في العمل السياسي دون مراجعات فقهية وفكرية جادة لرؤاها وأفكارها السابقة، وتلك التي راحت تمارس العنف والإرهاب وهي منتشرة في سوريا والعراق ولبنان ومصر وتونس وليبيا واليمن وغيرها.
مستقبل حركات الإسلام السياسي: محددات ومسارات
ليس من السهل استشراف مستقبل حركات الإسلام السياسي في دول"الربيع العربي"وغيرها من الدول العربية، وذلك بسبب تعقد الظاهرة موضع الدراسة لجهة تعدد وتنوع الأحزاب والحركات الإسلامية من حيث مرجعياتها العقيدية والفكرية، وخلفياتها الاجتماعية، وأهدافها، واستراتيجياتها الحركية تجاه كل من الدولة والمجتمع، وتباين مسارات تطورها في مرحلة ما بعد"الربيع العربي". (34) وثمة ثلاث ملاحظات عامة يتعين أخذها في الاعتبار عند النظر في مستقبل حركات الإسلام السياسي في العالم العربي بصفة عامة، ودول"الربيع العربي"على وجه الخصوص: