ومحله النصب على الحال من الرسل، أي: أرسلناهم متواترين، أي: متتابعين واحدًا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد، وحقيقته أنه مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا على بابه، كضربت زيدًا ضربًا، حملًا على المعنى، لأن {أَرْسَلْنَا} بمعنى واترنا، كأنه قيل: [واترنا] رسلنا وترًا، أو تترىً، وقد جُوِّز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: إرسالًا متواترًا [1] .
وقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به الناس تعجبًا، قال أبو الحسن: إنما يقال هذا في الشر، تقول في الشر: صار فلان أحدوثة، وفي الخير: صار فلان حديثًا [2] .
وقوله: {هَارُونَ} بدل من {أَخَاهُ} أو عطف بيان له.
{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) } :
قوله عز وجل: {لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} البشر يكون واحدًا بشهادة قوله: {بَشَرًا سَوِيًّا} [3] ، وجمعًا بدليل قوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [4] . و (مثل) كلمة تسوية، يوصف بها الاثنان والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد لكونها في حكم المصدر، وقد يثنى ويجمع فيقال: هما مثلاه، وهم أمثاله، وفي التنزيل: {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [5] . {ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [6] .
(1) انظر هذا الوجه في التبيان 2/ 955 أيضًا.
(2) كذا هذا القول عن أبي الحسن الأخفش في معالم التنزيل 3/ 309. وجامع القرطبي 12/ 125. قلت: لكن قال أبو عبيدة في المجاز 2/ 59، وعنه النحاس في معانيه 4/ 460: لا يقال في الخير: جعلته حديثًا. وانظر الطبري 18/ 24.
(3) سورة مريم، الآية: 17.
(4) سورة مريم، الآية: 26.
(5) سورة الأعراف، الآية 194.
(6) سورة"محمد"- صلى الله عليه وسلم: الآية: 38.