فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 604

والجواب: أن ما ذكره الله تعالى من مدحهم بصفات اتباع الكتاب حق الاتباع بغير تحريفٍ ولا تملصٍ من تكاليفه يستأهل ذلك الإشارة إليهم بما يعظم شأنهم {أولئك} ويحصر المعنى الحقيقي للإيمان بكتاب الله فيهم، وفي مقابل ذلك تماما قوله تعالى: {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} أي: الكاملون فِي الخسران.

والخطاب هكذا بعمومه وإبهامه في كل الذين آتاهم الله الكتاب ويتلونه حق تلاوته من اليهود والنصارى والمسلمين وقد خالفوا طريق أهل الخسران والكفران. فقد أفاد هذا الإبهام والعموم الكثير في إطلاق الحكم الشامل الذي يحض كل ذي دينٍ على اتباع الحق والنظر في العواقب والتمسك بصحيح كتب الله والإيمان برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 157 - 159] وهم الذين وصفهم ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به من أعقابهم مثل عبد الله بن سلام رضى الله عنه.

ولأجل ذلك يستمر السياق في تذكير بني إسرائيل وتبكيتهم على تقاعسهم عن العمل بمقتضى ما علمهم الله من الحق الذي حرفوه واتبعوا أهواءهم فضلوا؛ قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة 122) وهذه الآية تكررت في الآية رقم (47) من سورة البقرة نفسها، وقد كانت في سياق تذكيرٍ عام بضربات خاطفة تمثل سياطا من المواعظ متلاحقة لتنبه أولئك المتخاذلين عن الحق من بني إسرائيل. ثم تجئ الآية هنا في سياق التذكير بعد تفصيلٍ طويل لمخازي القوم وعنادهم وحربهم على دين الله تعالى، وكأن الآية الأولى في ترقيق القلوب للحق أكثر منها في الآية الثانية التي بها التوبيخ والتبكيت بعدما أمعن القوم في نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم وحربهم لدينه؛ تنهي ما بدأه السياق الزاجر لأهل الكتاب. فتبين أن تكرار الآيات في كل موضعٍ له غايته وحكمته، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت