أن الله تعالى لم يذم الأمية لذاتها، وإنما لأثرها وعواقبها في توريث الظن والتبعية، وفقدان العلم والبحث عن مراد الله تعالى منا في هذه الحياة، والقرب من موارد الهلكة بعدم معرفة الباطل وسبل المضلين وأسلحتهم.
وذلك أن أول ما بُدئ الوحى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان {إقرأ} .. فالقراءة هنا فرضٌ والفهم فرض والعلم بكل مجالاته على أمة محمد فرض، لأنها الخاتمة والمصلِحة لما أفسد أهل الكتاب قبلها. (والغريب الذي يسترعي انتباه الفلاسفة والمفكّرين في العالم، والمؤرّخين للديانات والحياة العلمية، هو ذكر «القلم» في هذا الوحي الأول، الذي ينزل على أميّ يبعث في أمّة أميّة في بلد تعذّر فيه وجود القلم، ولم يجاوز عدد «الكتاب» (وهم المتعلّمون) عدد الأنامل، فدلّ ذلك على ربط هذه الديانة والأمة التي تدين بها وتحملها، بالقراءة والكتابة والاستعانة بالقلم، ربطا دائما وثيقا، بخلاف ديانات كثيرة سابقة، وكان ذلك سرّ انبثاق حركة علمية تأليفية عالمية، لا يوجد لها نظير في تاريخ الديانات والأمم. وكذلك كان ورود آية {عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 5) في هذا الوحي، حافزا على التوسع في آفاق العلم، والاكتشاف للمجهول، والترقّب للمزيد الجديد، وعدم إنكار حقائق علمية ثابتة لم تكتشف في العصور الماضية.) [1]
إن المعرفة قوة؛ هكذا يؤكد علماء وفلاسفة العصر الحديث. وهكذا انتصر الغرب وساد. العلم مع الإيمان هما أمل الإنسانية الأخير في إصلاح ما أفسده المضلون.
وإن التبعية لأئمة الضلال سببها الأول هو الجهل والتسليم لهم فيما يختلقونه من أكاذيب، وإن الأمر الرباني المتكرر في كتابه العظيم بالتدبر، والسير في ملكوت الله والاعتبار به، والعقل لكل ما يمر من أفكار ومعتقدات، والتأمل لدعاوى المدَّعين حتى يكررها الله تعالى مرارًا {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} (البقرة: 111، الأنبياء: 24، النمل: 64، القصص: 75) ؛
(1) السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ط دار ابن كثير دمشق ط 13 هامش (ص: 181) .