أقول: وبعد هذا النقل الجميل عن الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن نتوقف وقفات سريعة:
إننا لا نستطيع تدبر وتفسير وفهم القرآن العظيم كجزرٍ منعزلة لا رابط بينها ولا علاقة تربطها. وإن الذين يرون الإطار الواسع للعلاقات المتطورة بين آيات القرآن وسوره هو فقط مَن يستطيع أن يتحدث عن قراءةٍ صحيحة لكتاب الله تعالى تؤتي ثمارها وتزهر ورودها. فالحق أن من بلاغة القرآن ونظامه الذي لم يُسبَق إليه هو تناثر موضوعاته ومعانيه على مدى متسع من الآيات بحيث لا تتمكن من الإحاطة بجوانب موضوعٍ ما فيه إلا بجمع أطرافه من مواضعه المتعددة، وهذه ميزة تعطيه مذاقًا مختلفًا في التذوق البلاغي والدلالي. وإن أى محاولة لاجتزاء معنى لفظٍ أو تركيبٍ واحدٍ فيه دون النظر في مواضع ذلك التركيب أو اللفظ هى لا شك إخفاق في الاقتراب من دلالة ذلك المعنى على حقيقته. ولعل ما صنعه ابن جرير الطبري والراغب الأصفهاني والفخر الرازي وابن كثير وغيرهم، ولو بصورةٍ محدودة من البحث عن المشابهة والتكامل الدلالي لآيات القرآن تحت تسمية (تفسير القرآن بالقرآن) ، إن ما فعله أولئك الأفذاذ يعد من اللبنات الأولى من أجل الوصول لنظريةٍ كاملة في التفسير الشمولي والموضوعي لكتاب الله تعالى تحتاج منا إلى المثابرة في تأصيلها وتنميتها وتوسيع تطبيقها من أجل فهم أفضل وتدبر أوثق لكتاب الله تعالى.
وأما اللمحة البلاغية الثانية فتستثيرها الجملة التصويرية الرائعة في قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] ، وتدور تأملاتنا هنا سريعًا حول الإطار التصويري البلاغي الرائع للقرآن الكريم، وجمله التصويرية الخالدة.