لقومٍ يتدبرون. ولعل هذه المعاني كلها يلخصها ختام الآية {إن الله واسع عليم} ، واتساقها مع دلالات الآية التي رجحناها.
ولا أفوِّت هذه الفرصة دون التنبيه إلى ضابط هام من ضوابط فهم النص القرآني كوحدة واحدة حيث تجئ فواصل الآيات متسقة مع دلالات متونها، بحيث تكون بذاتها أداة توجيه للمعاني وترجيح. ويصاحب ذلك؛ أي أدوات الترجيح في فهم النص النظر في سبب النزول - إن وُجد-والسياق سباقًا ولحاقًا، وسياق الخطاب القرآني في الآيات وتقلباته مع الدلالة. وقد بحثتُ ذلك كله وأكثر بمزيد استفاضة في دراسةٍ عن ضوابط فهم النص القرآني.
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ الْوَجْهِ الْمُضَافِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فهذه الصفة من الصفات الخبرية الإضافية؛ أي فيها إخبار عن الله تعالى بإضافة الوجه له سبحانه كما يليق بجلاله {ليس كمثله شيء} وعلى هذا النحو يثبتها السلف وأهل الحق،(إذ مذهب السلف والأئمة؛ أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا.
وكان السلف والأئمة، يعلمون أن مرض التعطيل، أعظم من مرض التشبيه، كما يقال: المعطل أعمى، والمشبه أعشى، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا.
فكان كلامهم وذمهم للجهمية المعطلة أعظم من كلامهم وذمهم للمشبهة الممثلة، مع ذمهم لكلا الطائفتين). [1]
فكان اعتقاد السلف أسلم وأعلم إذ علموا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته على لسان رسولهن فآمنوا به، دون خوضٍ فيما لا تدركه عقولهم فسلموا.
وَمن ذلك قَوْلُهُ تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] . وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . ومن ذلك المروى عن جابر بن عبد الله، يقول: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} (الأنعام: 65) قال: «أعوذ بوجهك» .
(1) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية للعلامة ابن تيمية (1/ 5)