ومثلهم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أولئك المرجئة الذين يتطرفون في جانب الرجاء حتى يميعوا الدين كله تحت شعار (ربك رب القلوب) ، والعمل ليس ضرورة في الإيمان عندهم.
الخلاصة أن أولئك الهالكين من اليهود وأشباههم قد اقترفوا في اعتقادهم وقولهم ذلك جرائم وليس جرما واحدا منها: أولا: أنهم اتهموا الله عز وجل في عدله وقدرته، اتهموه حين وصفوه سبحانه بممالئتهم على باطلهم وجرائمهم وأنهم لا يُحاسبون كما تحاسب سائر الناس.
ثانيا: أن أمانيهم الباطلة تلك لم تقف عند حد الأماني حتى صارت دينًا يعتقدونه ويتحركون وِفقه، فيسهِّل عليهم ركوب كل معصية وولوج كل فاحشة.
ولله در الحسن البصري إذ يقول: '' ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قومًا غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا: نحن نحسن الظن بالله. كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ''.
يقول أبو العتاهية:
إلهي لا تعذبني فإني *** مقر بالذي قد كان مني.
فما لي حيلة إلا رجائي *** لعفوك إن عفوت وحسن ظني.
وكم من زلةٍ لي في البرايا *** وأنت علي ذو فضلٍ ومَنِّ.
إذا فكَّرتُ في ندمي عليها *** عضَضْت أناملي وقرعتُ سِنِّي.
أُجَنُّ بزهرة الدنيا جنونًا وأقطع طول عمري بالتمني.
ولو أني صدقتُ الزهد فيها قلبت لأهلها ظَهر المجنِّ.
يظن الناس بي خيرًا وإني لشرُّ الناس إن لم تعفُ عني.