سَوَاءٌ كَانَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ دُودًا أَوْ قَيْحًا أَوْ دَمًا أَوْ حَصَاةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْمُعْتَادِ، وَلَا فَرْقَ فِي خُرُوجِ الرِّيحِ بَيْنَ قُبُلِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَدُبُرِهِمَا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُتَصَوَّرُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ قُبُلِ الرَّجُلِ إذَا كَانَ آدَرَ - وَهُوَ عَظِيمُ الْخُصْيَيْنِ - وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِنَا. وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْخَارِجِ إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَنِيُّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. قَالُوا: لِأَنَّ الْخَارِجَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ طَهَارَتَيْنِ، وَهَذَا قَدْ أَوْجَبَ الْجَنَابَةَ فَيَكُونُ جُنُبًا لَا مُحْدِثًا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الشَّيْءَ مَهْمَا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَثَرَيْنِ بِخُصُوصِهِ لَا يُوجِبُ أَوْهَنَهُمَا بِعُمُومِهِ، كَزِنَا الْمُحْصَنِ يُوجِبُ أَعْظَمَ الْحَدَّيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا. وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَيَكُونُ جُنُبًا مُحْدِثًا. وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْجُمْهُورَ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ (فِي مَسْأَلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ وَغُسْلٌ) : أَنَّهُ يَكُونُ جُنُبًا لَا مُحْدِثًا، وَهُنَاكَ ذَكَرَ عَنْ الْجُمْهُورِ الْمَسْأَلَةَ. وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا، فَمُرَادُهُ بِالطَّاهِرِ الدُّودُ وَالْحَصَا وَشِبْهُهُمَا مِمَّا هُوَ طَاهِرُ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَنْجَسُ بِالْمُجَاوَرَةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَا يُغْتَرُّ بِتَعْمِيمِ الْأَئِمَّةِ الْقَوْلَ فِي أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ يُعَارِضُهُ تَصْرِيحُهُمْ فِي تَصْوِيرِ الْجَنَابَةِ الْمُفْرَدَةِ عَنْ الْحَدَثِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْزَلَ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ فَهُوَ جُنُبٌ غَيْرُ مُحْدِثٍ. وَأَمَّا أَدِلَّةُ الِانْتِقَاضِ بِكُلِّ خَارِجٍ مِنْ السَّبِيلَيْنِ غَيْرَ الْمَنِيِّ فَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ ظَاهِرَةٌ. أَمَّا الْغَائِطُ فَبِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْبَوْلُ فَبِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ عَلَى الْغَائِطِ. وَأَمَّا الرِّيحُ فَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَهِيَ صَرِيحَةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّيحَ مِنْ قُبُلَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَدُبُرِهِمَا، وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ وَالدُّودُ وَغَيْرُهَا مِنْ النَّادِرَاتِ فَسَنَذْكُرُ دَلِيلَهَا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.