فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 334

وَمَنَافِعِ أَفْرَادِهَا الشَّخْصِيَّةِ، وَنَهْيَهَا عَنِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَضُرُّ الْأَفْرَادَ وَالْجُمْهُورَ لَا يُقْبَلَانِ وَيُمْتَثَلَانِ بِمُجَرَّدِ تَعْلِيلِهِمَا بِدَفْعِ الضُّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ كَمَا يَزْعُمُونَ ; لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ إِقْنَاعَكَ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ أَوْ أَكْثَرَهَا بِضَرَرِ كُلِّ مَا تَرَاهُ ضَارًّا وَنَفْعِ كُلِّ مَا تَرَاهُ نَافِعًا مُتَعَذِّرٌ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ وَالْحُكَمَاءِ إِرْجَاعُ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ عَنْ عَمَلٍ ضَارٍّ، وَلَا حَمْلُهَا عَلَى عَمَلٍ نَافِعٍ بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عَلَى نَفْعِ النَّافِعِ وَضَرَرِ الضَّارِّ، وَلَا تَرَى أُمَّةً وَلَا قَبِيلَةً مِنَ الْبَشَرِ مُتَّفِقَةً عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِسَبَبِ دَعْوَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ تَقَالِيدَ أَوْصَلَهُمْ إِلَيْهَا اخْتِبَارُهُمُ الْمُوَافِقُ لِطَبِيعَةِ مَعَاشِهِمْ، وَكَثِيرًا مَا تَكُونُ هَذِهِ التَّقَالِيدُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ قَوْمٍ مُخْتَلَفًا فِيهَا عِنْدَ آخَرِينَ، أَوْ مُتَّفَقًا عَلَى ضَرَرِ مَا يَرَاهُ أُولَئِكَ نَافِعًا، وَنَفْعِ مَا يَرَوْنَهُ ضَارًّا.

(ثَانِي الْأَمْرِ) : أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْنَاعِ وَالِاقْتِنَاعِ بِضَرَرِ الضَّارِّ وَنَفْعِ النَّافِعِ لَا يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَا التَّرْكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُعَارِضُهُ هَوَى النَّفْسِ وَلَذَّتُهَا فَيُرَجِّحُ الْكَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ الْهَوَى عَلَى الْمَنْفَعَةِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَتْ لِأُمَّتِهِمْ لَا لِأَشْخَاصِهِمْ، وَإِنَّنَا نَرَى هَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِضِينَ الْمَسَاكِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا ضَارَّةٌ، وَقَدْ أَفْقَرَ الْقِمَارُ بُيُوتَ أَمْثَلِهِمْ وَأَشْهَرِهِمْ، وَأَذَلَّ مَنْ أَذَلَّ مِنْهُمْ بِالدَّيْنِ وَالْحَجْزِ عَلَى مَا يَمْلِكُ، وَبَيْعِهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ أَمَاتَ بَعْضَهُمْ غَمًّا وَكَمَدًا، وَنَرَاهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَفْتُونِينَ بِهِ لَا يَتْرُكُونَهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ أَرْقَاهُمْ عِلْمًا وَفَهْمًا وَأَدَبًا وَفَلْسَفَةً فِي اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمُ الَّتِي ثَبَتَ لَهُمْ ضَرَرُهَا بِالِاخْتِبَارِ وَالْعِيَانِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ بُرْهَانٌ؛ فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَهْذِيبُ الْأُمَّةِ بِالْإِقْنَاعِ الْعَقْلِيِّ عَلَى تَعَذُّرِهِ، وَمَا عَرَفُوا مِنْ أَثَرِهِ؟! وَأَمَّا مَا يَعْنُونَ بِهِ مِنَ النَّظَافَةِ وَبَعْضِ الْآدَابِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَهُ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْفَلْسَفَةِ وَالْعِلْمِ بِنَفْعِهِ، بَلْ قَلَّدُوا فِيهِ قَوْمًا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِأَسْبَابٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ، وَتَجَارِبَ وَاخْتِبَارَاتٍ عِدَّةَ قُرُونٍ. حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَرْقَى الْأُمَّةِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ أَخْلَاقًا وَأَدَبًا وَعِلْمًا وَاسْتِقْلَالًا - وَهُوَ مِسْتَرْ مِتْشِل أَنَس الَّذِي كَانَ وَكِيلَ نِظَارَةِ الْمَالِيَّةِ بِمِصْرَ - أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُوجَدُ فِي أُورُبَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ فِي سَنَتِهِ أَوْ فِي عُمْرِهِ وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ الشَّعْبَ الْإِنْكِلِيزِيَّ هُوَ أَشَدُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت