بِالصِّفَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَهَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي تَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِعَدِّ التَّرْتِيبِ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ كَانَ الْخِلَافُ بِالْقَوْلِ لَا بِالْعَمَلِ، فَالْجَمِيعُ يُرَتِّبُونَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ كَمَا رَتَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُنَّتِهِ، وَلَوْ عَمِلَ النَّاسُ بِدَعْوَى الْجَوَازِ، فَتَوَضَّأَ كُلُّ أَهْلِ مَذْهَبٍ بِكَيْفِيَّةٍ لَكَانَ عَمَلُهُمْ هَذَا مِنْ شَرِّ مَا تَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتَفَرَّقَتْ قُلُوبُهُمْ، وَضَعُفَ مَجْمُوعُهُمْ.
(النِّيَّةُ لِلْوُضُوءِ كَكُلِّ عِبَادَةٍ) رُوِيَ عَنْ أَئِمَّةِ آلِ الْبَيْتِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَعَنْ أَشْهَرِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ; فَهُوَ مَذْهَبُ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا بِحَدِيثِ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِآيَةِ الْوُضُوءِ نَفْسِهَا ; لِأَنَّ تَرْتِيبَ أَعْمَالِ الْوُضُوءِ عَلَى الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَقَدْ عَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ النِّيَّةَ بِأَنَّهَا قَصَدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، وَاشْتَرَطُوا لِتَحَقُّقِهَا وَصِحَّتِهَا عِدَّةَ شُرُوطٍ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ:"النِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ انْبِعَاثِ الْقَلْبِ نَحْوَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفَعٍ، أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا، وَالشَّرْعُ خَصَّصَهُ بِالْإِرَادَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ الْفِعْلِ ; لِابْتِغَاءِ رِضَاءِ اللَّهِ، وَامْتِثَالِ حُكْمِهِ، وَلَهُمْ فِي تَعْرِيفِهَا أَقْوَالٌ أُخْرَى، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا رَأَيْنَاهُ لَهُمْ فِيهَا ; لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلْمَعْنَى الطَّبْعِيِّ، وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ."
ذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ نِيَّتَانِ: نِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ - وَسَيَأْتِي مَعْنَاهَا - وَنِيَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ ; وَهِيَ الْقَصْدُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ فِعْلُ الْمُخْتَارِ الشَّاعِرِ بِفِعْلِهِ عَنْ فِعْلِ الْمُضْطَرِّ وَالذَّاهِلِ الَّذِي تُشْبِهُ حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ النَّائِمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لِلنِّيَّةِ ضَرُورِيٌّ فِي تَحَقُّقِ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ ; فَلَا مَعْنَى