دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ:"وَلَوِ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا"، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي عِمَارَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ صَرِيحٌ فِي الزِّيَادَةِ إِلَى السَّبْعِ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، وَمَا بَدَا لَكَ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ عَلَى التَّوْقِيتِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ وَأَنَّ مَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ مَا بَدَا لَهُ ; الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ فِيهِ سَوَاءٌ. ذَكَرَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ، وَقَالَ: وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. انْتَهَى.
(تَرْتِيبُ أَعْمَالِ الْوُضُوءِ) تِلْكَ فَرَائِضُ الْوُضُوءِ الْعَمَلِيَّةُ الْمَنْصُوصَةُ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْآيَةِ مُرَتَّبَةً مَعَ فَصْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنِ الْيَدَيْنِ - وَفَرِيضَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْغَسْلُ - بِالرَّأْسِ الَّذِي فَرِيضَتُهُ الْمَسْحُ، وَمَضَتِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِيهَا، وَصَحَّ حَدِيثُ:"ابْدَأْ - وَفِي رِوَايَةٍ: ابْدَءُوا - بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ". وَهُوَ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا ; لِوُرُودِهِ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فِي ذَلِكَ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمُرَكَّبَةِ الَّتِي الْتَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا كَيْفِيَّةً خَاصَّةً ; كَالصَّلَاةِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ، وَمَدَارُ الْأَمْرِ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى الِاتِّبَاعِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ الْمَأْثُورَ فِي كَيْفِيَّةِ وُضُوئِهِ الْمُطَّرِدَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي الصَّلَاةِ ; كَعَدَدِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَتَرْتِيبِهِمَا. وَلَا يَظْهَرُ التَّعَبُّدُ وَالْإِذْعَانُ لِأَمْرِ الشَّارِعِ وَهَدْيِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَةِ كَمَا يَظْهَرُ فِي الْتِزَامِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَأْثُورَةِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا الِالْتِزَامِ أَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَحَّدُ بِهَا شَخْصِيَّةُ الْأُمَّةِ، فَإِنَّمَا الْأُمَمُ