الثَّالِثُ: مَنْعُ جَوَازِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ أَشَذُّهَا، وَالْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مَا يُظَنُّ مِنْ مُعَارَضَةِ آيَةِ الْوُضُوءِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْأَرْجُلِ لِلْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْمَسْحِ، مَعَ تَأَخُّرِ آيَةِ الْوُضُوءِ، وَهَذَا الْخِلَافُ كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ; فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ الْآثَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِهِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ:"أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَقَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ". وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِهِ: لَيْسَ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْآثَارِ تَعَارُضٌ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَنْ لَا خُفَّ لَهُ، وَالرُّخْصَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلَابِسِ الْخُفِّ، وَقِيلَ: إِنَّ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ الْأَرْجُلِ بِالْخَفْضِ، هُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْوَارِدَةِ فِي مَسْحِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّمَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ، مَعَ أَنَّ السَّفَرَ مُشْعِرٌ بِالرُّخْصَةِ وَالتَّخْفِيفَ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ ; فَإِنَّ نَزْعَهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى الْمُسَافِرِ"انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ."
وَيَرُدُّ حُجَّةَ الْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي التَّوْقِيتِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ وَمُوَافَقَةُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ لِمَسْحِ الْعِمَامَةِ وَلِحِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، وَيُؤَيِّدُهَا اشْتِرَاطُ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ، وَسَيَأْتِي.
وَنَقَلَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ إِثْبَاتَ الْمَسْحِ فِي السُّنَّةِ، وَتَوَاتُرَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَاتِّفَاقَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ مُطْلَقًا، أَوْ لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ، وَعَنِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطِ، أَنَّ مَالِكًا إِنَّمَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مَعَ إِفْتَائِهِ بِالْجَوَازِ.