فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 334

وَهَذَا التَّأَوُّلُ هُوَ سَبَبُ إِنْكَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِلْمَسْحِ بَعْدَ الْمَائِدَةِ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَفَاضَ بَيْنَهُمُ النَّقْلُ عَنْ مِثْلِ جَرِيرٍ وَالْمُغِيرَةِ رَجَعُوا عَنِ الْإِنْكَارِ، وَمَا رُوِيَ فِي الْإِنْكَارِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ لَا يَصِحُّ، بَلْ صَحَّ الْمَسْحُ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ: وَأَمَّا الْقِصَّةُ الَّتِي سَاقَهَا الْأَمِيرُ الْحُسَيْنُ فِي الشِّفَاءِ، وَفِيهَا الْمُرَاجَعَةُ الطَّوِيلَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُمَرَ، وَاسْتِشْهَادِ عَلِيٍّ لِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَشَهِدُوا بِأَنَّ الْمَسْحَ كَانَ قَبْلَ الْمَائِدَةِ فَقَالَ ابْنُ بَهْرَانَ، مِنْ عُلَمَاءِ الشِّيعَةِ الزَّيْدِيَّةِ:"لَمْ أَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا عِنْدَ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْإِمَامَ الْمَهْدِيَّ نَسَبَ الْقَوْلَ بِمَسْحِ الْخُفَّيْنِ فِي الْبَحْرِ إِلَى عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ"انْتَهَى.

وَنَقُولُ: هَبْ أَنَّهَا صَحَّتْ، أَلَيْسَ قُصَارَاهَا إِثْبَاتَ الْمَسْحِ قَبْلَ الْمَائِدَةِ، وَنَفْيَهُ بَعْدَهَا بِطَرِيقِ اللُّزُومِ أَوِ النَّصِّ؟ أَوَلَيْسَ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي؟ بَلَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ النَّقْلَ الثَّابِتَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ الصَّحَابَةِ هُوَ الْمَسْحُ، وَأَنَّ مَا رُوِيَ خِلَافُهُ لَا يُعَارِضُهُ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ سَبَبَهُ، إِمَّا عَدَمُ رُؤْيَةِ الْمَسْحِ، وَإِمَّا ظَنُّ أَنَّهُ قَدْ نُسِخَ، ثُمَّ عَرَفَ جُمْهُورُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلُ.

وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ وَعُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ فَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:"لَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَى عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ إِنْكَارَهُ إِلَّا عَنْ مَالِكٍ، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ مُصَرِّحَةٌ عَنْهُ بِإِثْبَاتِهِ"انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ، فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ مَسَائِلِ الْمَسْحِ: فَأَمَّا الْجَوَازُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَوَازُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، وَالْقَوْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت