فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 334

سَاتِرٌ، وَإِنَّمَا نَقُولُ هُنَا: إِنَّ الْأَصْلَ الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ بِدُونِ سَاتِرٍ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ فَرْضِيَّتِهِ تَنْظِيفُهُ مِنْ نَحْوِ الْغُبَارِ، وَهُوَ الْمُتَيَسِّرُ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ سَاتِرٌ لَا يُصِيبُهُ الْغُبَارُ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي أَقَلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ فَرْضُ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ:"إِذَا مَسَحَ الرَّجُلُ بِأَيِّ رَأْسِهِ شَاءَ، إِنْ كَانَ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، وَبِأَيِّ شِعْرٍ شَاءَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعْضِ أُصْبُعٍ، أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ، أَوْ أَمَرَ مَنْ يَمْسَحُ لَهُ - أَجْزَأَهُ ذَلِكَ"انْتَهَى. وَبَيَّنَ فِيهِ أَنْ أَظْهَرَ مَعْنَيَيِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَنَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ، وَلَكِنْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ ; فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَذَكَرَ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ، وَحَدِيثًا مُرْسَلًا فِي مَعْنَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَيَأْتِي، وَقَالَ:"الْجُزْءُ الْمَمْسُوحُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّأْسِ نَفْسِهِ، أَوْ مِنَ الشَّعْرِ الَّذِي عَلَيْهِ".

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ:"يَجْزِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَيَمْسَحُ الْمُقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرِ وَالْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعِتْرَةِ وَمَالِكٌ، وَالْمُزَنِيُّ وَالْجِبَائِيُّ إِلَى وُجُوبِ مَسْحِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:"يَجِبُ مَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ"وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّحْدِيدُ عَنْ غَيْرِهِ، قِيلَ: إِنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ (الْبَاءُ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بِرُءُوسِكُمْ هَلْ هِيَ لِلتَّبْعِيضِ ; فَيُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، أَمْ زَائِدَةٌ ; فَيَجِبُ مَسْحُهُ كُلُّهُ، أَمْ هِيَ لِلْإِلْصَاقِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ مَعْنَاهَا؟ وَوَجَّهَ الْحَنَفِيَّةُ قَوْلَ إِمَامِهِمْ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْمَسْحَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ، وَهِيَ تَسْتَوْعِبُ مِقْدَارَ الرُّبُعِ فِي الْغَالِبِ ; فَوَجَبَ تَعَيُّنُهُ، وَهَذَا أَشَدُّ الْأَقْوَالِ تَكَلُّفًا، وَلَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْمَسْحُ بِمَجْمُوعِ الْيَدِ، فَلَوْ مَسَحَ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، رُبُعَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَتِ الْيَدُ رُبُعَ الرَّأْسِ بِالتَّحْدِيدِ، وَقَدْ عَبَّرُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: غَالِبًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت