وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ بَنَاهُ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ.
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ كَانَ مَكَانُهُ بِاخْتِيَارٍ مِنَ اللَّهِ، وَشَبِيهٌ بِهِ مَكَانُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
وَمِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعِيَّةُ; فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَأْمَنٌ وَمَوْئِلٌ لِلْعَاكِفِ وَالْبَادِ.
وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ مَأْمَنٌ وَمَسْكَنٌ وَمَوْئِلٌ لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلِأَهْلِ قُبَاءٍ، فَكَانَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ شِدَّةُ ارْتِبَاطٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَجْعَلُ الْمُتَطَهِّرَ فِي بَيْتِهِ وَالْقَاصِدَ إِلَيْهِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ. وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ التَّطْهِيرِ فِي بَيْتِهِ لَا عِنْدَ الْمَسْجِدِ شِدَّةُ عِنَايَةٍ بِهِ أَوَّلًا، وَتَمْحِيصُ الْقَصْدِ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَتَشْبِيهٌ أَوْ قَرِيبٌ بِالْفِعْلِ مِنَ اشْتِرَاطِ الْإِحْرَامِ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ، لَا مِنْ عِنْدِ الْبَيْتِ فِي الْعُمْرَةِ الْحَقِيقَةِ، لَمَّا كَانَ بَعِيدًا. فَالتَّطَهُّرُ مِنْ بَيْتِهِ وَالذَّهَابُ إِلَى قُبَاءٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْحِلِّ وَالدُّخُولِ فِي الْحَرَمِ لِلطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، كَمَا فِيهِ تَعْوِيضُ الْمُهَاجِرِينَ عَمَّا فَاتَهُمْ مِنْ جِوَارِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَبْلَ الْفَتْحِ. - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: أَنَّ لِلْمَسْجِدِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ رِسَالَةً عُظْمَى، أَلْزَمَ مَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِحْيَاؤُهَا: وَهِيَ أَنَّ الْمَسْجِدَ لَهُمْ هُوَ بَيْتُ الْأُمَّةِ فِيهِمْ، لِجَمِيعِ مَصَالِحِهِمُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ تَقْرِيبًا مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ، فَكَأَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ فِي أَوَّلِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ الْمِثَالُ لِذَلِكَ.
إِذْ كَانَ الْمُصَلَّى الَّذِي تَتَضَاعَفُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَكَانَ الْمَعْهَدَ لِتَلَقِّي الْعِلْمِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمِنَ الْأَئِمَّةِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَزَالُ - بِحَمْدِ اللَّهِ - كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ"