(الثَّامِنَةُ) إذَا نَامَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَأَلْصَقَ أَلْيَيْهِ بِالْأَرْضِ. فَإِنَّهُ يَبْعُدُ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْهُ، وَلَكِنْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجَالِسِ الْمُمَكِّنِ، فَلَوْ اسْتَثْفَرَ وَتَلَجَّمَ بِشَيْءٍ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الِانْتِقَاضُ أَيْضًا، وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ فِي كِتَابِهِ (الْأَسَالِيبُ) فِي الْخِلَافِ فِيهِ لِلنَّظَرِ مَجَالٌ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ، وَقَالَ صَاحِبُهُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ: فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ.
التَّاسِعَةُ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي النَّوْمِ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحِيحَ - فِي مَذْهَبِنَا - أَنَّ النَّائِمَ الْمُمَكِّنَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَغَيْرُهُ يَنْتَقِضُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ طَالَ نَوْمُهُ أَمْ لَا، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ وَلَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشِّيعَةُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَالْمُزَنِيُّ: يَنْتَقِضُ بِالنَّوْمِ بِكُلِّ حَالٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ أَقُولُ.
قَالَ: وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: يَنْقُضُ كَثِيرُ النَّوْمِ بِكُلِّ حَالٍ دُونَ قَلِيلِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد: إنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الْمُصَلِّي كَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَالْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ لَمْ يَنْتَقِضْ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا، وَإِنْ نَامَ مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا انْتَقَضَ. وَلَنَا قَوْلٌ أَنَّ نَوْمَ الْمُصَلِّي خَاصَّةً لَا يَنْتَقِضُ بِهِ كَيْفَ كَانَ، كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَاحْتَجَّ لِأَبِي مُوسَى وَمُوَافِقِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوْمَ، وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُتَقَدِّمِ:"لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ"