الصفحة 5 من 43

هذه العقلية الأوروبية كانت تبحث عن بديل لإله الكنيسة الذي تركته وهربت منه لتسد الفراغ الكبير في حياتها، فماذا صنعت؟ لقد طرحت العقل إلها بديلا عن إله الكنيسة عن طريق المدرسة العقلية المثالية بشقيها:

أ. الشق الذي يؤمن بإله مع اضطراب في التصور ويقود هذا الجناح (هيجل) ، فهيجل يعتقد بوجود اله لكنه يرى أن الإله هو العقل الكبير أو المطلق، وإن كان يقول: (إن الأديان المختلفة ليست إلا مراتب مختلفة لنمو الفكر البشري وجلود ثعابين قشرها الإنسان عن نفسه) (6) .

ب. الشق الإلحادي الذي ينكر الإله بالمرة وزعيمه (فشتة) ، ثم طرحت العقلية الأوروبية الطبيعة إلها عن طريق مدرسة أوغست كومت (المدرسة الحسية الوضعية) أي: لا إيمانا لا بالمحسوس، وقد كان كومت يرى أن الفكر البشري لدى الفرد والنوع على السواء يمر بثلاث حالات (7) :

1 -اللاهوتية التي ترد تفسير الأحداث إلى الله.

2 -الميتافيزيقية التي تفسر الأحداث لقوى وراء الطبيعة دون ذكر الله.

3 -المرحلة الوضعية التي تفسر الأحداث بقوانين طبيعي ة حسي ة ولا تؤمن إلا بالمحسوس.

ووافق الفكر الأوروبي على قول كومت مع إدراكه أن الطبيعة حقيقة من حقائق الكون، وليست تفسيرا له، يقول سيسل (8) الأمريكي: (إن الطبيعة لا تفسر شيئا من الكون وإنما هي بحاجة إلى تفسير) . لقد نادى فيرباخ (تلميذ كومت) بحلول الإنسان محل الله، وطالب أن تصبح الإنسانية هي المعبود الأكبر، وقال فيرباخ: الله فكرتي الأولى، ثم العقل فكرتي الثانية ثم الإنسان بواقعيته فكرتي الثالثة والأخيرة (9) . وصاح نيتشه أثناء تخبطات صرعه بموت الإله ونشوء الإنسان السوبرمان -هكذا تكلم زرادشت-.

ولكنها كلها صرخات المذعورين الفار ين من الكنيسة، وصيحات الفزعين من شبحها الذي يطاردهم ويقض مضجعهم ويقلق راحتهم ويهدد وجودهم.

ولذا لم يكن الإلحاد في أوروبا طبيعيا إنما كان ردا على موقف الكنيسة وأخطائها وشناعة تصرفاتها إزاء الإنسان في أوروبا، وموقفها المؤسف الأليم تجاه العلماء والتجارب البشرية الإنسانية.

في هذا الجو نشأ ماركس الذي جاء متأثرا بهذه الآراء لينكر الإله، ويحشر البشرية في جحر الإقتصاد وليقول: إن تاريخ العالم هو تاريخ البحث عن الطعام ليدم ر بقية الكيان الإنساني المتماسك.

يرى الأستاذ محمد البهي (10) : إن صراع الدين والعقل والحس، مر في أوروبا بأربعة أدوار على الترتيب:

1 -سيادة النص، أي: المذهب الكاثوليكي الذي يمثله بولس ثم قسطنطين الإمبراطور.

2 -سيادة العقل (المدرسة العقلية المثالية) ومن قو ادها: هيجل ونيتشة.

3 -سيادة الحس (المدرسة الحسية الوضعية) ورائدها كومت (11) .

4 -المدرسة المادية الدياليكتيكية، وفيلسوفها ماركس وإنجلز.

لقد كان الجو الذي نشأت فيه الماركسية مشحونا بالعداوة للغيب، مطبوعا بطابع الكراهة للدين، كلما ذكر الله في هذا الجو قفز الى أذهانهم (وجوه كالحة عابسة وجباه مقطبة وعيون ترمي بالشرر وصدور ضيقة حرجة وعقول سخيفة بليدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت