سقطت الأنظمة كلها، فشلت المناهج جميعها، خابت التجارب بأكملها، لم يبق إلا نظام الله الذي يستطيع مخاطبة الإنسان بكينونته وكليته، بجسده وروحه، وأعصابه ومشاعره، وعقله وقلبه، وصدق الله العظيم: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ، (الملك:41) .
ومن أجل هذا فقد حظر رب العزة على المسلمين التلقي إلا منه -عزوجل- ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وحذر من سؤال الكافرين وأهل الكتاب، وقصر تربية الجيل المبارك من الصحابة على النبع الصافي من الكتاب والسنة. فقد قال رب العزة: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردونكم بعد إيمانكم كافرين، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) . (آل عمران: 100 - 104) .
فهذه الآيات ترسم طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وهي خير عنوان يصلح لمن أراد أن يكتب عن الأفكار التي سادت الأرض ومزقتها وعانت منها البشرية ما عانت شقاء وضياعا ونكدا وتمزقا وتمرغا في الوحل وهبوطا في الحياة والقيم والإهتمامات.
هذه الآيات تبين للأمة المسلمة أنها جاءت بقدر من الله لدورها المحدد وهو قيادة البشرية والأخذ بزمامها نحو الأفق العالي والقمة السامقة.
والأمة الرائدة القائدة لا بد لها من هاد على الطريق وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد لها من دليل وخارطة وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهما العصمة والنجاة، وهما النور إذا ادلهم الظلام والمعلم المبين إذا اضطربت الأمور وحارت الأفئدة.
والأمة القائدة ليس لها أن تتخلى عن دورها القيادي الإنقاذي، وما كان لها أن تنبذ كتاب الله وهدي نبيها صلى الله عليه وسلم وراء ظهورها وترجع إلى ذيل القافلة تقم أقذار البشرية وتلم أوضارها وأوساخها، وتجمع منها منهجا لحياتها ودستورا لأخلاقها وموجها لعقولها ونظامها، تحكمه في دمائها وأموالها وأعراضها فتضيع وتضيع وتتيه وتتيه. (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) . (آل عمران: 149 - 150) .
وطاعة أهل الكتاب والكفار إلى جانب أنها تخل بمركز القيادة في الأرض فهي تنم عن الهزيمة الداخلية، وتشي عن الخواء الروحي والفراغ الهائل الرهيب الذي يعاني منه من يحمل ألقاب المسلمين وعناوينهم.
روى البخاري (1) . في صحيحه في كتاب الشهادات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه ص أحدث الأخبار بالله تقرأونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بد لوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
وفي هذا المعنى روى الإمام أحمد عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة. ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله. قال عبد الله