صلى الله عليه وسلم إذ لم يعمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلا واحدًا وثمانين يومًا، أو اثنين وثمانين يومًا، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل. وهذا لا ينفي أن بعض آيات السورة ربما نزل قبل حجة الوداع ثم نزلت متكاملة فيها وأن المراد مجموع السورة لا جميعها.
لم نقف على سبب ذكره المفسرون لنزولها، إلا أن يكون السبب إشارة من رب العزة إلى قرب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذانا بانقطاع الوحي، لاسيما وقد أوجزت أحكام العقيدة والشريعة، وأكملت الدين وأتمت النعمة، وبينت منهج التعامل مع غير المسلمين كتابيين وغيرهم، فكانت مسك ختام للقرآن حسب ترتيب النزول، كما كانت سورة الفاتحة وسورة البقرة قبلها خير افتتاح له حسب ترتيب المصحف، إذ أوجزت الأولى مجمله عقيدة وشريعة ومبدأ ومعادا، وفصلت الثانية أحكام الأولى بما يمهد لما بعدها.
أما تسميتها بسورة المائدة في كتب التفسير والسنة فلِمَا اختصت به من ذكر للمائدة التي سألها الحواريون من عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولما ورد من هذه التسمية في حديث أسماء بنت يزيد السابق ذكره، وفي حديث عبد الله بن عمر إذ قال:"آخر سورة نزلت: المائدة والفتح"، وما روي عن عائشة أم المؤمنين من حديث جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة رضي الله عنها، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت:"أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال، فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه".
كما أن لها من الأسماء الاجتهادية التي لم تثبت نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم:"سورة العقود"استنباطا من أول آية فيها وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ، و"سورة المنقذة"استنادا الى ما روي عن النبى صلى الله عليه أنه قال: (سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب) ، وهو حديث لم نجد له من سند ولم يرو في كتب السنة المعتبرة، فلا يحكم بصحته، وسورة الأخيار لما فيها من الحث على الوفاء بالعهد الذي هو من شأن الأخيار، كما ورد في كتاب"كنايات الأدباء"لأحمد الجرجاني:"يقال: فلان لا يقرأ سورة"