الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقفٌ بعَرَفاتٍ على العضباء، فكادت عضُدُ الناقة تندق لثقلها فبرَكَت، وفيها قوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} . قال الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد [[1] ]قالت إني لآخذة بزمام العضباء - ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذ أُنزِلت عليه المائدة كلها فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة، وقال أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:"آخر سورةٍ أنزلت جملةً، سورة المائدة" [[2] ].
أما ما ورد من روايات عن نزول قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يوم عرفة من غير أن يذكر نزول سورة المائدة كلها، كما في رواية مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: وأي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فقال عمر:"إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعرفة في يوم جمعة"، فإنما ذلك لكون هذه الآية كان لها أبلغ التأثير في نفوس المسلمين يوم نزولها ضمن سورة المائدة لما فهموه بها من إشارة إلى قرب انقطاع الوحي والتحاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، يؤكد ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على الصحابة فرحوا جدًا وأظهروا السرور العظيم إلا عمر رضي الله عنه فإنه بكى، كما في رواية هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآيةُ بكى عمرُ رضي الله تعالى عنه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ما يُبكيك يا عمر؟) قال: أبكاني أنا كنا في زيادةٍ من دينِنا، فإذا كملَ فإنه لا يكملُ شيءٌ إلا نقَصَ، فقال عليه الصلاة والسلام: (صدقت) ، فكانت هذه الآيةُ نعْيًا لرسولِ الله
(1) - أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية،"أم سلمة"، كانت فيمن جهز عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزفها، وكانت تخدم النبي، وبايعته، وشهدت اليرموك.
(2) - من كتاب: رغائب القرآن لابن حبيب السلمي الأندلسي.