وكما هي سنته تعالى في العطاء والبلاء، وقد أكرم عباده في الآية الأولى من سورة المائدة بإباحته لهم لحوم بهائم الأنعام بعد ذكر اسمه عز وجل عليها وتذكيتها، انتقل التشريع بهم إلى الاختبار بالحظر والتحريم، ترويضا على السمع والطاعة والانضباط ومخالفة هوى الأنفس وملذات الأطعمة والأشربة والمناكح الفاسدة. فكان النداء الإلهي للمؤمنين تذكيرا بمحارم الله تعالى ونهيا عن انتهاك أحكام دينه والإخلال بمنهجه للحياة، بقوله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} ولفظ"شعائر"من أصل الفعل"شعر يشعُر شعورا"، أي: أحس وعلم، ومنه قولهم: ليت شعري أي: ليت علمي، أو ليتني علمت، وليت شعري لفلان ما صنع، وليت شعري عن فلان ما صنع، وليت شعري فلانا ما صنع، وأشعره الأمرَ وأشعره به: أعلمه إياه، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} الأنعام 109، وفي الحديث: (لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع) ، ومنه قول بعض العباد:"من استشعر الموت حُبِّب إليه الباقي وبُغِّض إليه كلُّ فانٍ"، وقول آخر:"أشعرت نفسي تقبُّلَ أمره وتقبُّلَ طاعته". والشعار هو المَعْلَم الذي يدل على الشيء، من الإشعار وهو الإعلام، والشعيرة جمع شعائر هي كل ما جُعِل علَما لطاعة الله تعالى زمانا ومكانا، عقائد وأحكاما وعبادات ومناسك في الحج وغيره، كما في حديث جبريل عليه السلام إذ أتى النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (مُرْ أُمتك أَن يَرْفَعُوا أَصواتهم بِالتَّلْبِيَةِ فإِنها مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ) .
وشعائر الدين مطلقا هي ما أشعر الله به عباده أنها حده وطاعته وحرماته التي يجب توقيرها وامتثال أمره فيها ونهيه، وقد نسبها السياق القرآني إليه عز وجل تعظيما لها وتحذيرا من انتهاكها أو الاستهانة بها أو العدوان عليها بقوله: {شَعَائِرَ اللَّهِ} ، كما في قوله تعالى أيضا: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} الحج 30، وقوله: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج 32.