ديدن النفوس الحية اللوامة التي تبحث عن الحق وتخشى أن تضل عنه أو تتأخر عن اتباعه، وهي بذلك دائمة الخوف من الذنب والحذر من المعصية، مواظبة على مراجعة المشاعر والنوايا، وتفحص التصرفات وتصحيح الأخطاء وتقويم الأعمال، تلوم صاحبها وتصده عن فعل الشر كما تلومه على ترك الخير وتحثه على فعله، لكرامتها أقسم الحق تعالى بها وقال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} القيامة 1 - 2، قال الحسن:"إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائمًا، يقول: ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولى، أو نحو هذا من الكلام"، وقال غيره:"هي نفس المؤمن توقعه في الذنب، ثم تلومه عليه، فهذا اللوم من الإيمان، بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب، بل يلومها وتلومه على فوات شهوة محرمة أو مكسب خبيث".
ثم ذكر الحق تعالى الخصلة الخامسة وهي ثقتهم بالله وتعلق رجائهم به فقال:
{وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} والطمع في هذه الآية بمعنى الرجاء، يرجونه تعالى أن يجعلهم من أهل العمل الصالح كما اصطفاهم وجعلهم من أهل الإيمان، وهم في حالهم هذا ما بين نفس لوامة خائفة وقلوب راجية طامعة، قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} السجدة 16. ولذلك كان ما أعده الحق سبحانه لهم أكثر مما رجوا وطمعوا، قال عز وجل:
{فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ} جزاهم الله {بِمَا قَالُوا} بما أعلنوا من إيمان صادق وعزم على العمل الصالح {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} خلودا في الجنة {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} أحسنوا القول والعمل وأخلصوا الخوف والرجاء وسألوا أن يكونوا من الصالحين والشاهدين فجعلهم الله تعالى من المحسنين المجيدين المتقنين، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} الرحمن 60. أما غيرهم من الكفار والمشركين والمكذبين على اختلاف أصنافهم ومعتقداتهم ومواقفهم فليس لهم عند الله تعالى إلا ملازمة الجحيم والخلود فيه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .