وبما أن هذه الطوائف في كل عصر ثلاث فرق، نصارى ويهود ومشركون، فقد بدأ الحق تعالى بأشدهم عداوة وخطرا، كي يكون الحذر منهم أشد والإعداد لدفع شرهم أقوى فقال تعالى:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} وحرف اللام في قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ} للتأكيد والتوطئة للقسم، والنون للتوكيد، والآية بذلك مؤكَّدة بثلاث: بالقسم المقدر الذي دلت عليه اللام، وباللام والنون، والخطاب فيها للرسول صلّى الله عليه وسلّم ولكل من يتوجه إليه الخطاب من أتباعه، تنبيه وإخبار بمن سيجدونهم في واقع التجربة والمعاملة وتبليغ رسالة الإسلام أشد عداوة لهم، وهم المشركون واليهود، مصداق ذلك أن مشركي مكة منذ بزوغ فجر الإسلام أيقنوا أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تهدد نفوذهم وسلطتهم فاضطهدوه وطاردوه وكادوا يقتلونه، وأن اليهود أيقنوا كذلك أنها تهدد سيادتهم الروحية والمالية والاقتصادية في الجزيرة. فكانوا رأس حربة لكل مؤامرة حيكت للمكر بصاحبها وعرقلة مسارها، منذ محاولتهم اغتياله وتأليب القبائل عليه، وتحالفهم مع مشركي مكة في غزوة الأحزاب، وتزكيتهم للشرك على حساب عقيدة التوحيد التي أتى بها نبيهم موسى عليه السلام فيما ذكره القرآن الكريم بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} النساء 51. وحين يستعرص المسلم الواعي مواقف اليهود من المسلمين في كل عصر يزداد يقينا من هذا التقرير الإلهي، وتتضح له معالم شدتهم وقسوتهم ومكرهم على مر الحقب وتعاقب الأجيال، إذ لا تكاد تقع فتنة إلا وراءها يهود، من محاولتهم الإيقاع بين الأوس والخزرج بعد أن وحدهم الإسلام، إلى تأليبهم الرعاع في فتنة مقتل الإمامين عثمان وعلي رضي الله عنهما، إلى محاولاتهم تمزيق وحدة المسلمين بإثارة النعرات العرقية والمذهبية وإفساد العقيدة الإسلامية ودس الأخبار الكاذبة والأحاديث الموضوعة، وإقحام التصورات المجوسية والوثنية في معتقدات حديثي العهد بالإسلام كما فعله عبد الله بن سبأ ومن على شاكلته، وكما تمارسه